مخاوف الشارع المنفلت في تونس

مخاوف الشارع المنفلت في تونس

04 أكتوبر 2021
الصورة

متظاهرون تونسيون يندّدون في العاصمة بإجراءات قيس سعيّد (26/9/2021/Getty)

+ الخط -

مضى على الانقلاب على الدستور في تونس ما يفوت الشهرين، ولا يبدو أن الرئيس قيس سعيّد يدرك تماما العواقب التي يمكن أن تتربّص بالبلاد، بعد كل هذه المدة التي ظلت فيها بلا حكومة ولا برلمان، وهي حالات نادرة سيحفظها التاريخ السياسي للقرن الواحد والعشرين. ولا يبدو الرئيس يقيس الزمن بما ألفه البشر من أيام وليالٍ... إلخ، وهو الذي قال، في جديد خطاباته: "وما أدراكم أنّ الشعب يريد حكومة أصلاً؟". الجلي أنه لا يسمع إلا صوته، أو من يردّد صدى صوته، فباستثناء اللقاءات النادرة التي أجراها مع وفود خارجية أو قيادات أمنية وعسكرية، لم يلتق تقريبا أحدا منذ الأسبوع الأول من الانقلاب. قبل هذا، لم يكن يمر أسبوع من دون أن يلتقي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، أو قياديين من الأحزاب التي سمّيت "أحزاب حزام الرئيس" بل إنّ بعضها كان قيسيّا أكثر من قيس ذاته، تعمد بعض قياداتها إلى شرح جمله ومفرداته، على عادة شرّاح المعلقات أو الآيات البينات. وعلى الرغم من كل هذه الآلة الإعلامية الضخمة، لم يجد الانقلاب صدىً إلا لدى أحزابٍ قليلة تدّعي وهما أنها الوفية لإرادة الشعب. لا نعلم حقيقة كيف يمكن للرئيس قيس سعيّد أو لمن يدعمه أن يقيس هذه الإرادة وتعبيراتها، فالرجل يؤكّد، على خلاف تلك الشكوك دوما، أنّه ينفّذ هذه الإرادة، وكأنه المؤتمن الوحيد عليها، هذا إذا ما أقررنا بوجودها أصلا.

الدوائر المحيطة بالرئيس سعيّد غير منسجمة، ولذلك تتنافس عندما تسعى إلى احتكار التأثير في قراراته، وحتى مزاجه، لتدرك أهدافها

يحدُث هذا كله، والدوائر التي تحيط بالرئيس تظل غامضة، ولا أحد يعلم ملامحها، خصوصا في ظل إنكار الرئيس أن تكون له روابط وتنسيقيات تُحسب عليه، غير أن ثمّة أشياء تحدُث تشي، في مجملها، أنه يستشير دوائر ما، قبل أن يتخذ قراراته، بل إنه، في تصريحاته المتوترة، عادة ما يلمح إلى أنه على علم بتفاصيل عديدة متعلقة بتحرّكات معارضيه ومواقفهم وارتباطاتهم وعلاقاتهم... إلخ، وهذا يؤكّد، مرة أخرى، أنه يستمع لغيره في ما يدلون له به من معلومات وأخبار تساعده على اتخاذ تلك المواقف. ومع ذلك، يبدو أن تلك الدوائر المحيطة بالرئيس، سواء المدنية أو الأمنية، غير منسجمة، ولذلك تتنافس عندما تسعى إلى احتكار التأثير في قراراته، وحتى مزاجه، لتدرك أهدافها، من خلال توجيه الرئيس نحو وجهتها هي بالذات. وقد يكون الرجل يجرف تضاريس وعرة، ليفتح طرقات سريعة، ويعبّدها لغيره، حتى يمرّ من دون إرهاق أو مشقة. على هامش هذه الدوائر الضيقة والمغلقة، تتشكل حاليا عشرات المجموعات، وتخرج يوميا إلى العلن في ندوات صحافية، تقدم برامجها، وعلاقتها بالرئيس قيس سعيّد رافعة صوره، فيما الأخير ينكر أنه له صلة بهم. 
والغريب أن الرئيس الذي لا يستمع إلى تلك النخب، من رؤساء أحزاب المنظمات المدنية وقادتها، لا يستطيع إنكار انتشائه الضمني بالمجموعات التي تعلن أنها تبايعه، وتفوضه ناطقا باسم إرادتها، غير أن المنعطف الأهم الذي سيربك تلك المعادلة كان ما حدث يوم 18 الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، حين اجتمع، لأول مرة بعد الانقلاب، نحو ألفي مواطن من أجل مناهضة الانقلاب، ثم اجتمع ما يفوت عشرة آلاف متظاهر، للتنديد بالتدابير الاستثنائية التي اتخذها، وكانت النهاية الرسمية لدستور 2014 الذي لم يبق منه سوى التوطئة والبابين الأولين، ما لم يتعارضا مع الأحكام الانتقالية التي أعلن عنها أخيرا.

كلما أغلق سعيّد باب الحوار وهمّش الأطر التي ابتكرتها الديمقراطية الحديثة في احتواء الحوار والنقاش العمومي المؤطر والمنظّم، جنح الناس إلى الشارع حلبةً للصراع

في هذه المناخات التي لا يتوانى الرئيس سعيّد فيها عن رمي خصومه بنعوت نابية، لا تخلو من شتيمة، على غرار الجراثيم والفيروسات والخونة والعملاء والجلاوزة، فإن المنجز الذي راكمته تونس كان تحت قصف صواريخه التي يفتخر أن منصّاتها جاهزة للانطلاق، حتى تصيب في كبد أعدائه، كما يصر على تسميتهم. انتشرت مجاميع إلكترونية حملت تسمياتٍ غريبة عن قاموس التسميات السياسية، من قبيل الحشد الشعبي وجيل الميديا وكتائب سعيّد وأنصار الرئيس، وقد تولت بشكل منظم السحل الإلكتروني لكل من عارضها، واتصفت بقدرة غريبة على تشمم كل التدوينات التي تتعرّض للانقلاب وتشجبه.
ومع تظاهرة 18 سبتمبر الرمزية، والتي وصف الرئيس، في خطابه في سيدي بوزيد، منظميها بالمخمورين والمأجورين، بدأت تلك المجاميع تخرُج إلى الشارع، لتُفسد أي تحرّك معارض لسعيّد من تظاهراتٍ تعاقبت في الأسابيع القليلة الماضية، بل تولت هي، وبالوجوه نفسها المعادة تقريبا، الهجوم على النائب محمد القوماني عن كتلة حركة النهضة، حينما توجه إلى مجلس النواب في حركة رمزية، تفيد باستئناف العمل البرلماني، بعد العطلة البرلمانية والتجميد الذي عمد إليه سعيّد يوم 25 يوليو/ تموز الماضي.
تتصاعد عمليات العنف الرمزي الذي تصبّه هذه المجاميع الهائجة على مختلف مناهضي الانقلاب، ولم ينج منها أحد، أفردا أو مجمعات حزبية، ولعلنا نتذكر ما طاول الجامعي المرموق وأستاذ القانون الدستوري، عياض عاشور، من سحل، نال من سمعته وكرامته. ستكون الأيام القليلة المقبلة اختبارا عسيرا لمخيّم سعيّد وخصومه، وهم يحتكمون إلى الشارع، في تنافس لا ندري إن كان للجميع رغبة في التحكّم فيه. نخشى أن يفيض العنف على الفضاء العام ويصبح آلية لحسم الخلافات الحادّة. كلما أغلق سعيّد باب الحوار وهمّش الأطر التي ابتكرتها الديمقراطية الحديثة في احتواء الحوار والنقاش العمومي المؤطر والمنظم: أحزاب، منظمات، نقابات، جمعيات، جنح الناس إلى الشارع حلبةً للصراع. الرئيس يدفع الناس إلى هذه الفضاءات، لأنّه لا يؤمن بالأجسام الوسيطة التي تحول دونه وشعبه المختار.