محكمة دولية لجرائم داعش في العراق

08 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

من حيث المبدأ، يرحب الكاتب بكل جهد دولي لمحاكمة مجرمي الحروب الأهلية أو العسكرية أينما كانوا، وكذلك مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية وفق قرار مجلس الأمن رقم 2379 لعام 2017 وغيره من قرارات دولية. وفي هذا المجال، سيتولى المحامي كريم خان، ذو الجنسية البريطانية، منصبه مدّعيا عاما للمحكمة الجنائية الدولية، في السادس عشر من يونيو/ حزيران المقبل، خلفا لفاتو بنسودا (غامبيا). وكان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غويتريس، قد عيّن خان، في 2018، مستشارا خاصا ليرأس فريق الأمم المتحدة المكلف بمساعدة الحكومة العراقية للتحقيق، ومساءلة إرهابيي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بشأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية تم ارتكابها في العراق.

(2)

دعا كريم خان إلى تشكيل محكمة دولية خاصة لمحاسبة أعضاء التنظيم، والاستماع الى ضحاياهم، على غرار محكمة نورينبرغ التي شكلت لمحاكمة مجرمي الحرب النازيين عام 1945، من خمسة قضاة من الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق، تشكّلت محكمة الجنايات الدولية في يوغسلافيا سابقا عام 1993 من قضاة دوليين. ومحكمة رواندا عام 1994 من 16 قاضيا وتسعة قضاة خاصين تختارهم جميعا الجمعية العامة للأمم المتحدة، وليس بينهم واحدٌ من رواندا.

سوف تزجّ المليشيات الطائفية أسماء أفراد أو جماعات أبرياء للمدّعي العام كريم خان، بتهمة أنهم قدّموا دعما أو تعاطفا أو التزموا الصمت تجاه أعمال "داعش" للنّيل منهم

وهناك المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، اختير قضاتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2005. وعلى أثر تلك السوابق الدولية، على الأمم المتحدة أن تسلك الطريق نفسه في تشكيل محكمة تختص بجرائم "داعش".

(3)

كي يسود تطبيق مبدأ الشفافية في موضوع جرائم داعش، يقترح الكاتب تعديل اسم المحكمة ليصبح "محكمة جرائم الحرب في العراق منذ عام 2003". والكل في هذا الكون يعلم أن احتلال العراق ذلك العام تسبب في ارتكاب أبشع الجرائم الحربية، وجرائم ضد الإنسانية... ومعروف أن "محكمة جرائم الحرب الدولية"، آنفة الذكر، يتعذر عليها طرح مثل هذه المسألة على جدول أعمالها، نظرا إلى أن هذه الحرب شنتها قوات عسكرية مسلحة من دول دائمة العضوية في مجلس الأمن، الولايات المتحدة وبريطانيا على وجه الخصوص. وعلى ذلك، يقترح الكاتب أن تسمّى "محكمة جرائم الحرب في العراق منذ عام 2014، وهذه سنة انطلاق حرب "داعش" في العراق، بدلا من "محكمة جرائم حرب داعش".

بقاء مسمى المحكمة كما هو اليوم ينطوي على أن المستهدفين ليسوا كوادر تنظيم داعش وقادته فقط، وإنما في هذه الحالة أهل السنة في العراق، لأن معظم أولئك من هؤلاء، وليس بالضرورة أن يكونوا من أهل العراق الذي تحكمه اليوم حكومة تغلب عليها صفة الطائفية المقيته، وتهيمن على محافظات/ مناطق الوطن العراقي السنية مليشيات مسلحة طائفية شيعية، فالأنبار مثلا تحت هيمنة كتائب حزب الله العراقي وفصائل أخرى طائفية. والموصل تحت هيمنة "الحشد الشعبي" المكون من أقلية الشبك (شيعية). وتسيطر على ديالى منظمة بدر. وصلاح الدين تحت هيمنة "عصائب أهل الحق"، وزعيمها قيس الخزعلي الذي قال عن أهل الموصل "أنتم أحفاد يزيد".

يجب أن يكون مقر المحكمة خارج حدود العراق، توخيا للحقيقة والعدالة الصادقة، وإلا تتحول المحكمة إلى محكمة ثأرية طائفية، تنتفي عنها النزاهة والشفافية والعدالة

سوف تزجّ هذه المليشيات الطائفية أسماء أفراد أو جماعات أبرياء للمدّعي العام كريم خان، بتهمة أنهم قدّموا دعما أو تعاطفا أو التزموا الصمت تجاه أعمال "داعش" للنّيل منهم، وتحطيما لدورهم في معارضة الهيمنة الطائفية على العراق. ولن تسمح هذه المليشيات بترشّح أحد من أهل السنة لأي مركز حكومي أو برلماني في محيطها، ما لم يكن خاضعا لإرادتها، وسيكون تحت التهديد بتهمة موالاة "داعش" ابتزازا، وتقديمه متهما لمحكمة جرائم "داعش". وهيهات ينفك من هذه التهم ما دام القضاة عراقيين لن يكونوا من القضاة الذين يتميزون بالنزاهة والكفاءة ولا شك في وجودهم في البلاد، وذلك إذا بقيت تسمية المحكمة كما هي، وبقي أمر تشكيلها بيد الحكومة العراقية. وفي الذاكرة أن محاكمة الرئيس صدام حسين، رحمه الله، ورفاقه، كانت طائفية شعوبية ظالمة.

(4)

قبول الأمم المتحدة أن يكون قضاة المحكمة عراقيين، وكذلك هيئة الادّعاء العام، وأن يكون مقرّ المحكمة بغداد، يخالف السوابق التي رسمتها الأمم المتحدة نفسها، كما أشير أعلاه. وعلى ذلك يجب أن يكون قضاة المحكمة وهيئة الادعاء العام معينين من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وليس بينهم أي مرشّح من العراق، كما العادة. ويجب أن يكون مقر المحكمة خارج حدود العراق، توخيا للحقيقة والعدالة الصادقة، وإلا تتحول المحكمة إلى محكمة ثأرية طائفية، تنتفي عنها النزاهة والشفافية والعدالة.

آخر القول: مطلوب من الأمين العام للأمم المتحدة أن يعيد النظر في تشكيل المحكمة المعنية، وليكن مكانها مقر محكمة الجنايات الدولية في لاهاي في هولندا، طبقا لسوابق.