ما وراء صفعة ماكرون

ما وراء صفعة ماكرون

11 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

فرح مغرّدون كثيرون، وخصوصا العرب، بالصفعة التي تلقاها الرئيس الفرنسي، مانويل ماكرون، من رجل أمسك بيده صارخا "مونجوا سان دوني Montjoie ! Saint Denis، لتسقط الماكرونية". وشبّه هؤلاء الصفعة بضربة الحذاء التي تلقاها الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الابن، في بغداد، من صحافي عراقي أواخر سنة 2008. وهو تشبيه قد لا يستقيم، لعدة أسباب، ولو أن غبطة المغردين مفهومة، نظرا إلى مواقف ماكرون من الإسلام والمسلمين، ومن الرسوم المسيئة لنبي الإسلام عليه الصلاة والسلام. وتُظهر هذه الغبطة مدى تدني شعبية هذا الرئيس الفرنسي لدى العرب والمسلمين، بخلاف بعض سابقيه، وخصوصا جاك شيراك الذي امتنع عن المشاركة في حرب العراق في العام 2003، وكلنا يذكر أيضا زيارته القدس ومواجهته الشرطة الإسرائيلية فيها سنة 1996، على الرغم من أن مواقف فرنسا الداعمة للاحتلال الصهيوني لم تتغير في جوهرها.

لن تعيب هذه المقالة على المبتهجين بهجتهم، ولن تفسد عليهم فرحتهم، لكنها ستقف على الأسباب والدواعي التي دفعت داميان (صاحب الصفعة) للقيام بفعلته هذه، والأجواء السياسية والاجتماعية في فرنسا مع قرب الانتخابات الجهوية أواخر شهر يونيو/ حزيران الجاري والانتخابات الرئاسية والتشريعية العام المقبل، وهي الانتخابات التي دفعت ماكرون إلى البدء بجولاتٍ مكوكيةٍ ستشمل غالبية التراب الفرنسي، في دعايةٍ إعلاميةٍ مدروسة، ومخطط لها جملة وتفصيلا.

أولا، الجملة التي نطق بها الرجل، وهو يصفع الرئيس، ترجع إلى العصور الوسطى، وتحيل إلى راية "دير سان دوني"، راية ملك فرنسا في أوقات الحرب، والتي كانت لا يتم استخراجها من الدير إلا عندما تُحدق الأخطار الكبرى بمملكة فرنسا وتهدد وجودها. ومن هنا، يتضح أن الرجل ينتمي إلى اليمين المتطرّف، ويتهم الرئيس بعدم المحافظة على الجمهورية الفرنسية بما فيه الكفاية، والانحناء أمام الطائفية والانفصالية العربية الإسلامية، وعدم محاربة التطرّف الإسلامي ومظاهره بما يليق، ما يذكّر ببلاغ (بيان) العسكر الفرنسي، في مارس/ آذار الماضي.

إذن، هو رجل عنصري يصفع الرئيس ماكرون، لأنه يعتبر الأخير متساهلا في الأمن والهجرة وإدارة الديانة الإسلامية وملفات أخرى، ومن ثمّة صراخه "لتسقط الماكرونية"، أي السياسة التي ينتهجها ماكرون منذ وصوله إلى الرئاسة سنة 2017. وبالتالي، الابتهاج محدود، لأن الصفعة تنبئ بما هو أدهى وأسوأ، خصوصا بالنسبة لأبناء المهاجرين، سيما منهم المسلمون.

رُفع الحرج عن الخطاب العنصري، وسقطت الحواجز التي كانت تحول دون تبنّي خطاب الكراهية والعنصرية والعرقية المقيتة

ليست صفعة ماكرون التي أجمعت كل الطبقة السياسية الفرنسية على إدانتها الأولى في فرنسا، فقد تعرّض رؤساء ورؤساء وزراء سابقون لأحداث مماثلة، أما مرتكبو الجريمة، حتى وإن حوكموا، فإن أحكامهم تكون جدّ مخففة، فالتعدّي على الرئيس، وإن يعتبر جرما غير مقبول، إلا أن عقابه لا يمكن أن يصل إلى ما قد يصل إليه في الدول ذات الحكم الشمولي. زد على هذا أن أغلبية الساسة الفرنسيين يحبّون التواصل المباشر مع الشعب، على الرغم مما فيه من مجازفة ومخاطرة، وإذا كانت الإجراءات الأمنية تحول دون حمل السكاكين والأسلحة، وتحمي من خطر القتل، لكنها لا ولن تمنع ضربة حذاء، ولا صفعة كفّ.

جاءت الصفعة في وقتٍ يتم فيه التقليل من خطر اليمين المتطرّف، وفي وقتٍ عبر فيه نائب رئيس حزب الجمهوريين، اليميني، عن استعداده للتحالف مع حزب التجمع الوطني، اليميني المتشدّد، وفي وقتٍ حُلّت فيه عُقَد ألسنة المتطرفين الذين أصبحوا كلما حلت مصيبة بفرنسا وجدوا في المهاجرين المسلمين كبش الفداء. وتأتي في وقتٍ لعب فيه ماكرون نفسُه على حبل الطائفية بمغازلة اليمين، ووسم اليسار بالتهاون في القضايا الأمنية، بل واتهام جزء كبير منه بالتحالف مع الإسلاميين. وأصبحت كلمة "Islamogauchiste" جاهزة لوصف كل من سوّلت له نفسه الدفاع عن المسلمين، أو عن بعض القضايا العادلة، مثل القضية الفلسطينية.

جاءت الصفعة في وقت يتم فيه التقليل من خطر اليمين المتطرّف في فرنسا

رُفع الحرج عن الخطاب العنصري، وسقطت الحواجز التي كانت تحول دون تبنّي خطاب الكراهية والعنصرية والعرقية المقيتة. وأصبح وصول مارين لوبان إلى الدور الثاني أمرا عاديا، بالمقارنة مع سنة 2002، حين دعا الجميع إلى هبّة جمهورية، جعلت الرئيس شيراك يفوز بأعلى معدل انتخابي في تاريخ الجمهوريات الديمقراطية الأصيلة. ولم تعد ترتفع لا الأيدي ولا الحناجر صادحة لتسقط العنصرية. وأصبح مفكرون فرنسيون كبار يجاهرون ببغضهم للإسلام والمسلمين، واعتبار ذلك من حرية تعبير، وجديد حلقات هذه الفاشية التي تزداد صعودا في فرنسا شريط فيديو لرجلين فاشيين، يوضحان فيه كيفية قتل الناخبين اليساريين، وهو الشريط الذي اضطر إدارة "يوتيوب" إلى حذفه، باعتباره تحريضا على القتل، ودعوة إلى العنف.

خلاصة القول، إذا أخذنا بالاعتبار بعض أحداث عارضة وقعت في فرنسا أخيرا، ومنها حادث الجندي الذي أرهب إحدى القرى مع اختبائه في غابة، وإذا تذكّرنا حادثا مماثلا منذ أسابيع، وإذا ذكرنا أن حوالي 80 ألف فرنسي يُعتبَرون خطرا على الأمن، وممنوعين من حيازة أي نوع من الأسلحة، فهذا يدل على التوجه اليميني الحاد الذي تتّجه فيه فرنسا، وما الصفعة التي وجهت للرئيس إلا أصغر مظاهره.