لماذا فلسطين؟

لماذا فلسطين؟

27 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

شعرت بارتباك، عندما باغتتني إعلامية نابهة بسؤالها البسيط في سياق مقابلةٍ قصيرةٍ عن الأحداث في فلسطين أخيرا. كان السؤال السهل الممتنع: لماذا فلسطين؟ .. لم يخطر على بالي أن تبدأ المقابلة بهذا السؤال الذي بدا عفويا أول وهلة، لولا أنني لم أستطع الإجابة عليه فورا.
لأنها فلسطين وحسب. قلت لها ذلك، قبل أن أسترسل بكلماتٍ وعباراتٍ نسيت أغلبها، لأنها كانت وليدة تلك اللحظة، لكنني أظن أنها لم تكن مناسبةً لسؤالٍ، على بساطته البادية، كان عميقا جدا، وأعادني إلى ما قبل تكون ذاكرتي الثقافية. لا أتذكّر متى بدأ اهتمامي بفلسطين وطنا محتلا وقضيةً مستحقة، ربما لأنهما كانا دائما معي من مكونات هذه الذاكرة الفردية، والجمعية أيضا. ولكن لا بد أن لدعاء والدتي، رحمها الله، الساكن الهادئ، الغارق في خشوع، والمسترسل عقب كل صلاة، لفلسطين، أثره في الوعي البعيد، وإن كان أثرا غير مباشر، إلا أنها كانت مفتاحي الصغير لفتح كل الأبواب أمام قضيةٍ كانت هي قضية الجيل الذي تنتمي إليه والدتي، وأصبحت أنتمي إليه في أحلك منعطفاته.
لماذا فلسطين إذن؟..لأنها الأصل في بدايات المعاني المتعلقة بالكرامة والنضال والمقاومة والوطن، ولأنها الذاكرة الجمعية لنا، عربا ومسلمين وبشرا شهودا على هذه القضية التي أريد لها أن تستمر لتكون امتحانا لضميرنا الإنساني كله، فنجح من نجح وسقط من سقط، ولكن الامتحان مستمرٌّ عبر أجيالٍ عاشت القضية وعايشتها سبعة عقود في تحوّلات مستمرّة، وحركة دائمة إلى الأعلى مرّات وإلى الأسفل مرات.
ليست فلسطين مجرد وطن محتل، أو أرض مسلوبة، أو عدالة مفقودة، أو شهداء يرتقون أجيالا وراء أجيال، أو شعب مضطهد في الداخل ومهجّر إلى الخارج، أو لاجئين لا يستطيعون العودة من القريب والبعيد، أو مسجد أقصى يؤذّن فيه للصلاة تحت ظلال الاحتلال.. وحسب. هي كل هذا وغيره أكثر حفرا في الأعماق، وسموا نحو الأعلى بالقيم والمبادئ والمثل والأخلاق في أبسط تطبيقاتها العملية. ففلسطين.. هذي الخريطة الصغيرة نسبيا، والتي تبدو في شكلها التاريخي المكتمل كجرح في قلب الكرة الأرضية، أوسع من أي جغرافيا، وأعمق من أي تاريخ. وبالتالي، نعجز تماما عن تعريفها كما يناسب كتب الجغرافيا والتاريخ، ويحاول كلٌّ منا، نحن المؤمنين بها، أن يبتكر لها معناها الفردي الخاص، كما يناسبه، ويحيط بمدى ذلك الإيمان.
هي مثلا ذاكرة من الماضي، وحلم للمستقبل، وبينهما تمرّ الأيام والشهور والسنوات والعقود لتضع بصمتها عند كل منحنى في تضاريس الأرض الواسعة جدا، على الرغم من حدودها الضيقة. وهي مثلا آخر.. اختبار حقيقي لبشريتنا المثالية، ولقدرتنا بوصفنا مؤمنين بما ينبغي للبشر أن نكون عليه، ونحن نحاول الحفاظ على بقائنا في هذه الحياة باستحقاق، وعلى إثبات أننا نستحق هذه الحياة فعلا.
وفلسطين ليست هي الأرض ولا الحجر ولا الشجر، على الرغم من أهمية كل هذه الأشياء في تعزيز معناها، وتوضيح ما غمض على الجاهلين المتجاهلين من صورتها، لكنها البشر. فلسطين، إذن وأولاً، هي الفلسطيني بكل حالاته حيا وميتا، هي الشهيد والجريح والمقاوم والمهجر واللاجئ، وهي الصامد والباقي دائما على قيد الأمل، لا يهمّه من تراجع أو خان أو خذل! لا يهمه من طبّع علاقاته مع العدو، أو من يستعد لذلك، فهذه حساباتٌ خارج منطقه في المقاومة المستمرة بكل ما أوتي من قوة ومن حلم.
باختصار، فلسطين هي بوصلة حقيقية، لا تخطئ أبداً في تحديد وجهة الضمير الحي.