لبنان والسلاح المذهبي .. فالج لا تعالج

14 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

تعاني البشرية منذ نحو سنة من وباء فتاك هو كوفيد - 19 الذي يحصد يوميا آلاف الضحايا، وعوارضه تتوسع وتتشعب، ولم تعد تستثني أحدا. ولبنان، بطبيعة الحال، ينال نصيبه من هذا الوباء الذي يصيب كل الفئات العمرية، وبمعدل مرتفع نسبة إلى عدد سكانه، غير أنه يعاني من وباء أشد فتكا بكثير من "كورونا" ومضاعفاتها، وأفظع تأثيرا وتدميرا لتركيبته السياسية ولنسيجه الاجتماعي والديموغرافي، وللحمته الداخلية. إنها آفة الطائفية، أي تصنيف الأفراد على أساس انتمائهم الديني والطائفي، ثم المذهبي. وباء كورونا يصيب الجسد ويعطب الصحة، ويمكن أن يقتل الإنسان، وإنما يمكن أن يتعافى منه. ولكن وباء الطائفية لا علاج له ولا فكاك منه، يصيب النفس ويعطل العقل ومداركه، ويُعمي البصيرة، ويستثير الغرائز والتعصب الأعمى، والبغضاء، ويحوّل الفرد إلى مجرد هتّاف لزعيم طائفته أو مذهبه ومصفق له، وكاره للآخر فقط لأنه ينتمي إلى دين آخر أو طائفة أو حتى إلى مذهب آخر. علما أن الطائفة أو المذهب مسألة أو "انتماء" لاإرادي، لم يختره الإنسان وإنما ورثه بالولادة، ولا يضفي عليه صفات تفاضلية عن إنسان من دين آخر.
كان لبنان في ما مضى مضربا للمثل، بغناه وتنوعه الديني والثقافي واحترام تعدّد طوائفه ومذاهبه، وأهمية العيش المشترك في ما بينها. أما لبنان اليوم فتفتك به الطائفية والمذهبية من كل صوب، وتنخر عظام ناسه. البلد على شفير الانهيار الاقتصادي والإفلاس المالي، وأصبح هناك نحو 50% من اللبنانيين تحت خط الفقر في سابقة لم يشهدها في تاريخه. وعلى الرغم من كارثة التفجير في مرفأ بيروت في 4 أغسطس/ آب الماضي الذي دمر نصف العاصمة، وحصد مئتي قتيل وأزال المرفأ عن خريطة البحر المتوسط، لا يزال الزعيم يتكلم باسم طائفته ويخوض معاركه باسمها، يطالب بحصته باسمها، وكأن شيئا لم يكن. يحول هذه الحصص إلى حقوق للطائفة التي تصبح بالتالي حقوق مناصريه من أبناء طائفته التي انتهكها زعيم إحدى المذاهب الأخرى. ويتحول شعار إصلاح الدولة ومؤسساتها عند جبران باسيل، رئيس التيار العوني الوافد حديثا إلى جنة السلطة بمعية حميه ميشال عون، إلى استعادة "حقوق المسيحيين" المنتهكة ليس من المسلمين، بل من السنّة تحديدا، لأنه متحالف مع الشيعة (أي حزب الله)، أي المذهب الآخر من المسلمين، وإذا اضطر الأمر واقتضت مصلحته الضيقة (مقعد نيابي مثلا) لا مانع لديه من أن يسن قانونا انتخابيا بحت طائفي، يحشد تحت مظلته كل المذاهب المسيحية في مواجهة كل المذاهب الإسلامية.

وباء الطائفية يحوّل الفرد إلى مجرد هتّاف لزعيم طائفته أو مذهبه ومصفق له، وكاره للآخر فقط لأنه ينتمي إلى دين آخر أو طائفة أو حتى إلى مذهب آخر

وفي الأمور الكبرى، يبقى أمينا لتحالفه مع الشيعي، ويستمر في تحريضه على السني. إنها سياسة الحاجة دوما إلى خصم توجه له السهام لشد عصب الجماعة، وفي حالة لبنان إلى خصم طائفي، والأفضل مذهبي، لكي يتحوّل الشحن إلى استزلام وتعصب أعمى. وفي كل الحالات يبقى الجمهور مصطفا مهللا مقتنعا بصوابية مواقف القائد الذي أصبح رمزا للفساد خلال سنوات قليلة من ولوجه عتبة السلطة، ومشاركته وزيرا في الحكومات المتعاقبة.
ولكن هذه التعبئة الطائفية الجاهزة عند كل منعطف لم تمنع رئيس الجمهورية وصهره من عقد صفقة مع الخصم السني، سعد الحريري، من أجل الجلوس على كرسي الرئاسة في نهاية عام 2016 محققا حلمه الأبدي الذي كاد أن يتحول إلى كابوس. الطائفة إذا هي مطية للوصول إلى السلطة، نلجأ إليها في الشدائد، ونستعملها أيضا ونتحصن بها للحفاظ على هذه السلطة. وها هو الحريري الذي يحاول اليوم العودة إلى رئاسة الحكومة، مدعوما من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي سارع إلى إطلاق مبادرته الإنقاذية بعد انفجار المرفأ، لا يتورّع هو أيضا عن ركوب موجة التظلم الطائفي والمذهبي، دفاعا عن رئيس الحكومة المستقيل والمستمر في تصريف الأعمال حسان دياب (السني)، الذي لم يمنحه الثقة، ولا يقيم له أي اعتبار. لماذا؟ لأن قاضي التحقيق في جريمة المرفأ تجرّأ واستدعى دياب إلى التحقيق بصفته كان رئيسا أصيلا للحكومة، يتمتع بكامل صلاحياته عند حصول الانفجار، ولأنه كان أعلن ثاني يوم الكارثة عن أنه استلم تقريرا عن عنبر يحوي على كمية نترات الأمونيوم التي انفجرت في المرفأ، وقرّر أن يتفقد العنبر. ولكنه تلقى اتصالا هاتفيا لم يكشف ممن نصحه بعدم التوجه يومها إلى المرفأ. لذلك استدعاه المحقق العدلي إلى التحقيق إلى جانب ثلاثة وزراء للأشغال والمال، بصفتهم معنيين بشكل مباشر، كون المرفأ يقع تحت مسؤوليتهم الوزارية.

على الرغم من كارثة تفجير مرفأ بيروت في 4 أغسطس الماضي، لا يزال الزعيم يتكلم باسم طائفته ويخوض معاركه باسمها

وهنا قامت الدنيا ولم تقعد! إذ سارع دياب إلى التلطّي وراء الطائفة (السنية) التي لم يحتضنه أركانها يوما، معتبرا أن الاستدعاء هو تطاول على موقع رئاسة الحكومة (السني). يا غيرة الدين! وبقدرة قادر، يستنفر مفتي السنة في الجمهورية اللبنانية، ومعه رؤساء الحكومة السابقون، دعما لدياب، ويزور الحريري القصر الحكومي للتعبير عن تضامنه مع رئيس الحكومة، ورفضه ما أسماه "ابتزاز موقع رئاسة الحكومة"! بطبيعة الحال، لم يُستدع دياب لأنه سني، وإنما بوصفه رئيسا للحكومة، وتقع عليه مسؤولية، إذا لم تكن مباشرة فأقله سياسية ومعنوية. ولكن موقف الحريري وباقي الشخصيات السنية هو رد على محاولة رئيس الجمهورية عرقلة تشكيل الحكومة، وتدخله في تركيبتها، ومحاولة فرض أسماء الوزراء المسيحيين فيها، والأهم الحصول على أكثرية في داخلها، تمكّنه من التحكم بقرارات مجلس الوزراء. كما أن الحريري ومن معه يعتبر أن قرار قاضي التحقيق استنسابي لا يشمل كل المتورّطين أو الذين يتحمّلون المسؤولية في جريمة انفجار المرفأ، ولا يذهب إلى عمق المسألة في الكشف عمن سمح بتخزين تلك المواد القابلة للانفجار في المرفأ منذ نحو سبع سنوات، ومن هو المسيطر الفعلي على أمن المرفأ وعملياته. كما أن الوزراء السابقين الذين طاولهم الادعاء اثنان منهم من فريق رئيس المجلس نبيه بري، صديق الحريري وحليفه، والذي لا يكن أي مودة لعون، ولكنه مضطر للتعاون معه بحكم وجود الاثنين ضمن الفريق نفسه الذي يقوده حزب الله. وفي هذه الحالة، يتحول الاصطفاف إلى طائفي بامتياز، بين مسلمين (سنة وشيعة معا) ومسيحيين، ما يمكّن عون وتياره وأتباعه من شد العصب المسيحي في مواجهة المسلمين الذين "يريدون اغتصاب حقوق المسيحيين والاستئثار بالقرار".

لم يُستدع حسّان دياب إلى التحقيق في انفجار المرفأ لأنه سني، وإنما بوصفه رئيسا للحكومة، وتقع عليه مسؤولية، إذا لم تكن مباشرة فأقله سياسية ومعنوية

وقبل هذه وتلك، كان "الثنائي الشيعي"، المكون من حزب الله وحركة أمل، قد رفع التحدّي في وجه الفريقين، السني والمسيحي معا، مشترطا باسم حقوق الطائفة الشيعية الحصول على حقيبة وزراة المال في الحكومة التي حاول تشكيلها الدبلوماسي مصطفى أديب، الذي اضطر إلى الاعتذار نتيجة الشروط والشروط المضادّة، الطائفية وتقاسم الحصص التي حاولت القوى السياسية فرضها عليه. وكرّر "الثنائي الشيعي" هذا الشرط في وجه الحريري المكلف الآن تشكيل الحكومة، لأنه يعتبر وزارة المال بمثابة ضمانة للطائفة الشيعية، أي امتلاك حق التوقيع على قرارات تمويل كل مشاريع الدولة، وبالتالي التحكّم بوجهتها مقابل امتلاك رئيس الجمهورية حق التوقيع على مراسيم وقرارات أو رفضها، وكذلك رئيس الحكومة الذي يترأس السلطة التنفيذية؟! عندها ردّ الفريق العوني مشترطا حق تسمية الوزراء المسيحيين، لتصبح محاولة الحريري والمبادرة الفرنسية في تشكيل حكومة مكونة من اختصاصيين ومستقلين في مهب الريح.
إنها بعض من نماذج بدع وروائع تحالف زعماء المليشيات والطوائف ورجال الأعمال التي تجعلنا نعتقد أن الانتفاضة الشعبية، أو الثورة العفوية كما يحب أن يسميها بعضهم، ما زالت في بداية طريق طويل ووعر!