لا شيء تاريخياً في هذا التطبيع

27 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

سيكون أغرب توصيفٍ يتم إطلاقه على التطبيع العربي، جزئيا، مع إسرائيل، أنه "تاريخي". وبدون لف ولا دوران، لكي تكون دولة ما قد قامت بخطوة تاريخية، يجب أن تكون قد دخلت التاريخ، ولا بد لها أن من تكون قد حققت شيئا من تاريخية وجودها خارج تاريخ الإعلان عن إنشائها، على الأقل في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي. ولا شيء، حقا، يمكن أن ينطبق على الإمارات ولا البحرين. أما السودان فربما يكون قد دخل تاريخ هذا الصراع من بوابة اللاءات الثلاث، وهو ما يمكن اعتباره تحولا مشهديا مثيرا في تاريخ العلاقة بين السودان والقضية الفلسطينية.

التطبيع بالمعنى الذي يمكن تقبّل تاريخيته هو كونه ينتمي إلى انحراف، تاريخي حقا في المنطقة وفي دائرته القريبة، منذ الربيع العربي. وخلاصة القول في ذلك إن السلبية التي تم بها استقبال الثورات والخراب العام الذي رافق خروج شعوب كثيرة إلى الشارع، كانت هي نفسها في دول التطبيع، وفي دولة الاحتلال. ففي تل أبيب، كان المناخ العام أبعد من الدعوات التي سبق لرئيس وزراء إسرائيل ووزير خارجيتها في فترات المفاوضات، شيمون بيريس، ورئيس الوكالة اليهودية العالمية، ناتان شارانسكي، أن أعربا فيها عن سلام ديمقراطي بين العرب وإسرائيل.

كان الرفض هو نفسه الذي عبّرت عنه الدول المعنية بالتقارب: هل يمكن القول إن التطبيع مع إسرائيل كان بديلا للتطبيع مع الديمقراطية النابعة من الثورات؟ كيفما كان الجواب، فإن العودة الى الوضع القائم، كما في البحرين، أو عودة السلطوية في مصر، أو الإعلاء من الحروب المدنية والأهلية والفوضي في سورية واليمن وليبيا، كان مقدمةً لكي تجتهد إسرائيل من داخل المعطى الجيوستراتيجي الجديد، وإعادة بناء هندسة جديدة للفوضى، تضيع فيها دول أخرى من سلة الحضارة العربية الإسلامية.

تعتبر إسرائيل أن استعمار فلسطين واستيطانها يجب أن يظلا توأم سياستها. وعليه، كانت الصهيونية تستلهم المعطيات الاستراتيجية في تمدّدها الاستيطاني

لن نتحدّث عن مصر وسورية في علاقاتهما مع إسرائيل، لأنهما فعلا صنعتا تاريخا لهما في الحرب معها، ثم إن وجودهما على الحدود يعطي المعنى التاريخي لكل خطوة، حربية أو سلمية لمَّا تقع. بالنسبة للبحرين، أو للإمارات، هناك تلاق "استراتيجي" حول الربيع العربي وحول التطبيع طريقة للخروج من تاريخ العرب المشترك، في قراءة تراجيدية لما وقع من ثورات. كما لو أن التحليل نفسه أدّى إلى النتيجة نفسها، والاشتراك في الموقف من أوضاع الشرق الاوسط إبّان الربيع وبعده، هو تقارب استراتيجي بحد ذاته، يختلف عن إرادة فاعلين جدد، من قبيل الدور الروسي عن طريق سورية، أو العودة الصاخبة لايران إلى معادلات الشرق الأوسط، وأبعد منها.

لكي يكون الموقف تاريخيا، ثانيا، يجب أن تتغير استراتيجيات تاريخية لدى دولة الاحتلال، وليس فقط لدى الدول المعنية بالتطبيع، فهل تغيرت ثوابت إسرائيل، والتي وضعتها منذ 1950؟ هناك ما لم يتغير، وهو أولا ما تسميه الدراسات السياسية "الاستيطان الاستراتيجي" كأحد العناصر الثابتة في السياسة الإسرائيلية. وعندما نسمع مسؤولا إماراتيا يتحدث عن وقف إسرائيل الاستيطان نتيجة للتطبيع، لا نملك إلا الابتسامة، ذلك لأنه لم يفهم ما هو تاريخي بالنسبة لبلاده، ولا ما هو تاريخي بالنسبة لإسرائيل. والحق أنه يبدو من التاريخ القريب أن إسرائيل كانت محاصرة بدول عربية تفوقها مساحة، وتعتبر أن استعمار فلسطين واستيطانها يجب أن يظلا توأم سياستها. وعليه، كانت الصهيونية تستلهم المعطيات الاستراتيجية في تمدّدها الاستيطاني. لهذا عندما نضع خريطة فلسطين، ندرك بسهولة أن الحدود السياسية التي تريدها إسرائيل هي الحدود الترابية للاستيطان، كاستيطان فلاحي وعسكري. يضاف إلى ذلك ثابتان آخران: السرعة الاستراتيجية أو تعبئة المجندين في طرف وجيز، ثم التفوّق الجوي، مدنيا وعسكريا، كما تدل كل الدراسات والكتب التي تتناول ثوابت إسرائيل، وهو ما يبدو أنه غاب عمن احتفلوا كثيرا بالرحلات الجوية بين عواصم بلدانهم ومطارات إسرائيل.

ظلت إسرائيل وفية لاستراتيجيتها، وكيَّفتها مع متغيرات الوضع العام في الشرق الأوسط

لقد ظلت إسرائيل وفية لاستراتيجيتها، وكيَّفتها مع متغيرات الوضع العام في الشرق الأوسط. وما زال التعاون الأميركي الإسرائيلي متواصلا بقوة أكثر وبأهداف أكثر استيطانية، وحصلت منه دولة الاحتلال أكثر من السابق، (نقل السفارة، الاعتراف بالاستيطان، الحديث باسم التطبيع والمطبعين وإعلان أسمائهم قبل تل أبيب .. إلخ)، في حين تعرف إسرائيل أن الروس ليسوا أعداء استراتيجيين، ويمكنهم أن يساعدوها، في الوقت الذي تطلب ذلك، كما يتضح من الزيارات التي قام بها نتنياهو، في كل لحظة حرجة إلى موسكو.

إلى زمن قريب، كان السفير الفرنسي السابق في إسرائيل ، جيرار ارو، يستعمل كلمة مثقلة بالمعنى في وصف الوضع الإسرائيلي مع الطرف العربي، هي "الاستعصاء"، ومعناه في تقديره هو "صعوبة ذات طبيعة علائقية بدون مخرج".

التاريخي في ما يحدث أن هناك دولا تخاف من حرية شعبها، أو حرية الشعوب عموما، فتختار المناهضة والعنف،

وتخاف عدوها فتختار المراوغة والغباء.