لا تنتظر الثورة

لا تنتظر الثورة

28 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

"الماضي انقضى ويستحيل تغييره"... من هذه البديهيّة الساطعة يمكن مقاربة موضوع "المراجعات النقديّة" التي نطالب بها جميعًا أنفسنا، والقوى السياسيّة العربية، عندما تأتي أي مناسبةٍ تخص إحياء ذكرى الثورات العربيّة في شتاء 2011. بناءً على تلك البديهية، تكون المراجعات في حالنا المزري مفيدةً حين تنشغل بسؤال المستقبل فقط؛ أي أن وظيفتها الوحيدة نقد الواقع استعدادًا للآتي. أما النقد الموجّه إلى أداء الأحزاب ونخب المثقفين، وليس له هدف إلا المحاسبة، وتوزيع الدرجات على من "خان" ومن كان "بطلًا"، فلا داعي له؛ فهو يدور حول أشياء يستحيل تغييرها الآن، ولكنه ينجح في سجن أصحابه داخل الماضي، ويعيد إنتاج ضغائنه الحرّى التي قُدّت على ما يبدو من الأبديّة؛ فهي لا تنتهي ولا ترتوي، وأودت بأحلام جيلنا الكبيرة في نهاية الأمر. يتحول هذا النوع من "المراجعات" فورًا إلى شتائم وتخوين، وربما تكون فائدتها الوحيدة أنها تسمح للمهتمين والباحثين بالسفر عبر الزمن، ومعايشة نقاشات المرحلة الانتقاليّة بعد الثورات؛ فأصحاب هذا النوع من المراجعات يصبحون، مع الوقت، متحفًا غريبًا ينطق ويتحرّك. تحدّي المراجعات النقديّة الآن هو إخراج النقاش العمومي من حالته المتحفيّة، وإنقاذه من عمليات التحنيط المستمرة.

الدخول في النضال والعمل على تنظيم الذات وإنتاج قيادات سياسية يجهز المجتمع كذلك لـ"الحالة الثوريّة"، وهذا أمرٌ مهم، يتغافل عنه من ينتظر الثورة

في هذا السياق، أزعم أن أول ما يجب أن نتعلمه هو التوقف عن الرّهان على ثورة قادمة. وإن لم نستطع، فلنراهن عليها متسلحين بخبرة الهزيمة على الأقل. تمنّي قوى حزبيّة معارضة نفسها بأن المخرج من تسلّط الأنظمة/ المليشيات التي انتزعت الحكم بالثورة المضادّة سيأتي على يد ثورة شعبيّة مثل ثورات 2011. قيام ثورات أخرى غير مستحيل؛ قوادحها موجودة، لكنها مستبعدة لأسباب مختلفة، منها خبرة السلطات اليوم بموضوع الاحتجاجات وأعصابها الأمنية المشدودة، وسحق المجال السياسي وهوامش النقاش العمومي الحر، والتغيُّر الجيلي -الثقافي في المجتمعات العربية الشابة، والذي لا يعيره نقاش سجناء الماضي اهتمامًا كما هو متوقع؛ فهم لا يزالون في غمرة عام 2012. هذا إن لم نتحدّث عن البلاد التي اندلعت فيها حروب أهليّة، انهارت معها أجهزة الدولة وسيطرتها الرسمية على الجغرافيا، حينها يصبح قيام ثورات شعبيّة مستبعدًا تمامًا. وعلى الرغم من أن الرهان على اندلاع الثورة يبدو علمنةً بشكل ما لعقائد خلاصيّة تعلّق الحركة النضالية والفعل السياسي، في انتظار "ظهور الغائب"، فإن ذلك لا ينفي أهمية الرهان النفسيّة. في نهاية المطاف، تختار الناس وسائلها لتحمّل الواقع، ولكنه يصبح ذا أهميّة سياسية في حالة واحدة: حين يزحزح صاحبه من غرفة الانتظار نحو الاستعداد للحظة الثورة التي يراهن على اندلاعها. مثلًا، أصبح القول إن "عيب ثورات 2011 كان عدم تنظيمها وإنتاجها قيادات" من بديهيات النقاش حول مسارات العقد العربي الفائت، ولكنه قولٌ يذكر لازمةً في الكلام، في حين أن أهمية إدراك هذا النقص في الحركة الشعبية عام 2011 هو بناء الطرف المعوّل على الثورة خطة عملٍ تعي ذاك النقص، وتهدف إلى تجاوزه بأن يبدأ بتنظيم نفسه، وبعقد تحالفات اجتماعيّة – سياسيّة، مجهزًا بذلك نفسه للحظة الثوريّة التي "يراها" قادمة، مستفيدًا من تجربة الماضي والتحليلات العلمية لمفاصلها ومحوّلًا إياها إلى خبرة. حينها، يصبح النقاش حول صحة الرهان على الثورة هامشيًا؛ لأن الأطراف السياسيّة تكون قد فعّلت ذاتها المُجرّبة، وبأفق جديد داخل دائرة النضال، وانخرطت في ديناميكيّاتها التي تفتح أفق المستقبل على احتمالاتٍ متنوعة؛ فالنضال السياسي يعني مجابهة النظام والتفاوض معه وتعبئة المجتمع وتسييسه، وتدريب الأجيال الشابّة على العمل العام. هذا الأمر حين يستمر وقتًا كافيًا، وينفذ بمثابرةٍ قد لا ينتج شيئًا كبيرًا على المدى القصير، وقد يدفع النظام نحو الإصلاح في ظروفٍ معينة، كما أنه يجهّز القوى السياسية وقواعدها وقطاعات اجتماعيّة مختلفة للّحظة الثوريّة الشعبيّة المُراهَن عليها.

أول ما يجب أن نتعلمه هو التوقف عن الرهان على ثورة قادمة. وإن لم نستطع، فلنراهن عليها متسلحين بخبرة الهزيمة

من جانب آخر، الدخول في النضال والعمل على تنظيم الذات وإنتاج قيادات سياسية يجهز المجتمع كذلك لـ"الحالة الثوريّة"، وهذا أمرٌ مهم، يتغافل عنه من ينتظر الثورة بسبب سوء الفهم للثورة كمنتج اجتماعي - تاريخي. من ينتظر الثورة يعتقد أنها منتج الغضب الشعبي الخام، وهذا خطأ فادح علميًا، وفيه أيضا شيء من نكران جهود الأجيال السابقة. ما حصل في 2011 مهّد له نضال سياسي استمر عقودًا، ومئات الأعمال الفنيّة والأدبيّة الرفيعة التي انحازت إلى قيم الحرية والعدالة، وجعلت الناس أكثر حساسيّة تجاهها، وكتب ومشاريع تنويرية قادها المثقفون، وجدالات عامة في الصحف المهنيّة، وتدريب على العمل الجماعي والانتظام داخل مؤسسات، مثل الأحزاب والنقابات وهيئات الفلاحين. في كلام آخر، انتظار الثورة لا يكتفي فقط باستعداده المُخيف لإعادة التجربة، بكل أخطائها ونواقصها، وكأن شيئًا لم يحدث طوال عشر سنوات، ولكنه أيضًا نتيجة سوء فهم للسياق المنتج للثورة ذاتها. المجتمعات العربية شابّة، وهذا يعني أن فيها الآن ملايين الشباب الذي لم يعرفوا ثورات 2011. وبالتالي، على من يعوّل على الوسائل النضالية الشعبية في التغيير السياسي أن يوصل هذه الأجيال بسياقها التاريخي؛ فالشباب ليسوا متمرّدين أو ثائرين تقدّميين بالفطرة في المجال العام، كما هو دارج في البلاغة "الثورجيّة" الرائجة بيننا. يجب تثقيفهم بثقافة سياسية متنورة، حتى يكون لهم وعي جذري بالظلم، خصوصا أن هذا الجيل يتعرّض إلى حملات قصف ثقافي وأخلاقي مكثف ومتواصل، تحوّل المواطنين إلى رعاع بسياسات إعلامية، وحتى تربويّة، تمجد الطائفيّة والجهويّة، أو تدعو إلى عبادة الجيش والضباط، وهذه أهوالٌ لم يتعرض لها جيل ثورة 2011.

على الرغم من تفهم كابوسيّة الظروف التي يعيشها المجتمع الحزبي وتجمعات المثقفين الآن، تبقى محاولة تنظيم القطاعات الشعبيّة وحشد الطاقات أمرًا حاسمًا للمستقبل، وإن لم نحاول فهذا يعني أن عقدًا مر علينا، ولم نتعلم منه الأمر المفيد حتى الآن، خصوصا حين نرى جدالات "الثوار" السابقين التي أضحت جدالاتٍ رجعيّة، في حين أن النظام العربي، والمليشيات الطائفيّة، تعلمت الكثير في العقد الماضي، وجهّزت نفسها جيدًا لأي حراك شعبي، وتسحق كل محاولة للاحتجاج أولًا بأول، حتى ذاك الذي كان النظام العربي يقبل به قبل 2011.

في حالنا المزري هذا، يغدو انتظار الثورة فعلًا غير ثوري.