كيف يصبح المرء ديمقراطياً؟ أحمد المستيري نموذجاً

كيف يصبح المرء ديمقراطياً؟ أحمد المستيري نموذجاً

28 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

غادرنا قبل أسابيع قليلة أحد آباء الديمقراطية التونسية، أحمد المستيري، الذي تولى، إثر استقلال البلاد، صياغة مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 (ألغت تعدّد الزوجات، الحالة الوحيدة في البلاد العربية)، فضلاً عن توحيده القضاء وجعله مدنياً (إلغاء القضاء الشرعي وبقية المحاكم غير المدنية). في أقل من عقد، تولّى الرجل وزارة العدل ثم وزارة الدفاع فوزارة الداخلية، فضلاً عن تنقله سفيراً في موسكو والقاهرة والجزائر. كان أوّل من قدّم استقالته من مجلس الوزراء، إثر خلافاتٍ حادّة مع الرئيس الراحل، الحبيب بورقيبة، ليتفرّغ الرجل لاحقاً لخوض معارك الديمقراطية، سيكون بدايةً من السبعينيات من مؤسّسي الصحافة الحرّة المعارضة، صحيفة الرأي، ثم تأسيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وأخيراً إنشاء حزب سياسي معارض علني، هو حركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي سيخوض فيها أول انتخابات تعدّدية سنة 1981، بعد أن احتكر الحزب الاشتراكي الدستوري الحياة السياسية.
جرت العادة أن يجافي علماء الاجتماع كل الدراسات والمباحث التي تتناول الأفراد: زعامات، قيادات، أبطال.. مفضلين تناول البنى الاجتماعية: أوساط اجتماعية، الفئات والطبقات التي نشأوا فيها.. إلخ. يتم تجاوز هذا منذ عقدين أو ثلاثة، عبر جملة من التسويات الإبستيمولوجية والمنهجية التي لا تغفل الفرد، إنما تضعه في أطر دينامية: فاعل في نسق، فرد في جيل أو وضعية، شخص في سياق.. إلخ. من خلال كل هذه التسويات والمصالحات المضنية بين المقاربات البينوية والمقاربات الفردية، تتاح لنا إمكانات لفهم مسارات الأفراد بشكل أفضل، خصوصاً ممن طبعوا مرحلةً ما من تاريخ مجتمعاتهم. وتعتمد تلك المقاربات، عادة، على المنهج البيوغرافي الذي يجمع بين سير الحياة والانفتاح، بين حين وآخر، على تحولات المجتمع. وبهذا، يجمع الباحث بين الأحداث التي عاشها الفرد كسيرورة والتحولات الاجتماعية. وتقدم لنا سير حياة بعض الزعامات السياسية التي تحوّلت من ركنٍ مهم في نظام مستبد إلى مناضل ديمقراطي لاحقاً فرصة نادرة لفهم هذه السيرورات المعقّدة التي يترابط فيها الشخصي والحميمي بالبنيوي المجتمعي.

بين الفردي، الشخصي الحميمي، بين المجتمعي الوطني وبين الإقليمي والدولي، يعتبر الأفراد تجارب انتقالهم الديمقراطي حالة شخصيةً يعيشها الفرد بكل معاني الانتقال الديمقراطي

إذا كانت لنا عدة إجابات عن سؤال كيف تصبح المجتمعات ديمقراطية، فإن سيرة المرحوم أحمد المستيري تقدم إجابة ضافية عن سؤال: كيف يمكن للفرد أن يصبح ديمقراطياً؟ كيف أمكن لوزير بورقيبة المستبد أن يصبح أب الديمقراطية التونسية؟ والأكيد أننا لا نولد ديمقراطيين، بل نصبح كذلك ضمن تجارب فردية معقدة.
قلّما طرح التونسيون هذا السؤال، كأن هذه النخب التي تحكمهم (أو تقدم نفسها لهم كمعارضة) ولدت ديمقراطية، غير أن الحقيقة تفيد خلاف ذلك، فقد ولدت (النخب) وترعرعت، من دون استثناء، في ثقافة شمولية لا تؤمن بالديمقراطية: يسارية ترى في الديمقراطية خدعة بورجوازية، إسلامية ترى فيها بدعة وكفراً، عروبية تعتبرها حيلة لإلهاء الأمة عن قضاياها المصيرية على غرار التحرر والوحدة. هناك من يذهب في قراءته تجربة الانتقال الديمقراطي إلى أن في تونس ديمقراطية من دون ديمقراطيين. وسيرة أحمد المستيري تقدم مخبراً حقيقياً لهذه المسالك المتفردة والمتعددة لمسارات فردية لأشخاص أصبحوا ديمقراطيين وكان لهم أثر حاسم في التحولات الديمقراطية التي شهدتها بلدانهم لاحقاً.
بين الفردي، الشخصي الحميمي، بين المجتمعي الوطني وبين الإقليمي والدولي، يعتبر الأفراد تجارب انتقالهم الديمقراطي حالة شخصيةً يعيشها الفرد بكل معاني الانتقال الديمقراطي: أن يترافق في داخل وعيه وضميره القديم والجديد، أن يتخاصم النظامان داخله، أن يتفاوضا ويتحالفا، أن يقيما صفقات كبرى، يحدث ذلك كله في ذواتنا، فما الذي دفع أحمد المستيري، "الوزير المدلل" لبورقيبة أن يتحوّل تدريجياً إلى معارض شرس من أجل الديمقراطية؟

لم يكن المستيري بعيد الاستقلال ديمقراطياً، بل كان، في سياقات عديدة، يد النظام التي بطش بها، غير أنه سرعان ما اختار خوض معركة الديمقراطية

لا يمكن فهم مسيرة الرجل نحو الديمقراطية من دون استحضار أربع دوائر، كان لها الأثر الفعال في هذا التحول الديمقراطي الذي عاشه على المستوى الفردي: أولاً، لا يمكن إغفال أهمية الجيل الذي انتمى إليه، على أن نفهم الجيل بمعنى الدور التاريخي والمهام الكبرى التي تلقى على عاتق فئة عمرية ما. ولعل أحمد المستيري كان يدرك أنه ينتمي إلى جيل بناة الدولة الوطنية التي عليها أن توفر الرخاء والحرية لمواطنيها، غير أن ذلك الحلم لم يستمر طويلاً، وتحول إلى ما يشبه الكابوس. (تحلل الباحثة هالة الباجي، في أحد كتبها تلك "الخيبة العميقة" التي هزّت عديدين من بناة الدولة وآباء الاستقلال). وعلينا ثانياً ألا نغفل أهمية التجارب الشخصية: المسؤوليات التي تولاها، الخيبات التي مني بها، المنافسات الشرسة التي خاضها، الخيبات التي تعرّض إليها من محيطه القريب. الزيارات التي قام بها، الخبرات والمعارف والمهارات، الموارد الشخصية، الرأسمال الاجتماعي والثقافي. وقف الرجل على ويلات الحزب الواحد، حين تولى مهام سفير تونس في كل من الاتحاد السوفييتي ومصر الناصرية وجزائر أحمد بن بلة.
تتعلق الدائرة الثالثة بوعي المستيري بمطالب المرحلة، وقد كان عاملاً حاسماً في "انحرافه نحو الديمقراطية"، كما ينعته خصومه. لقد صاغ مانيفستو المرحلة، وعبّر عنها بوضوح في كتابه "شهادة للتاريخ"، حيث يقول: "الاستجابة لرغبة التغيير التي أصبحت ملحّة أكثر فأكثر في البلاد. لذلك، من الضروري الشروع مسبقاً في تنقية الجو السياسي وضمان الممارسة الفعلية للحرّيات وإعلان العفو العام وإطلاق سراح المساجين السياسيين".
ولكن هل يمكن أن نصبح ديمقراطيين، خصوصاً بعد تولي كل هذه المناصب والمسؤوليات من دون أي نقد ذاتي؟ من خلال ما كتبه، واللقاءات التي أجراها مع الإعلاميين، وهي قليلة بعد اعتكافه أكثر من عقدين، يقرّ أحمد المستيري بأنه ارتكب عدة أخطاء وتهاون أو تخاذل عن نصرة قضايا عديدة، على غرار صمته عند المحاكمات الجائرة التي طاولت زملاءه وأبناء جيله: الوزير الأول، الطاهر بن عمّار، الوزير أحمد بن صالح، الزعيم النقابي أحمد التليلي، الحبيب عاشور.. إلخ، من دون نسيان مباركته "التحول" الذي قاده الجنرال زين العابدين بن علي في 1987، وإن تراجع عن ذلك مبكّراً.
لم يكن أحمد المستيري بعيد الاستقلال ديمقراطياً، بل كان، في سياقات عديدة، يد النظام التي بطش بها، غير أنه سرعان ما اختار خوض معركة الديمقراطية، حتى لُقّب بـ أبي الديمقراطية التونسية.