كفاية تطوير

كفاية تطوير

15 يونيو 2021
الصورة

(محمد عبلة)

+ الخط -

كان الإعلامي باسم يوسف يسخر، في برنامجه، من بعض قرارات الرئيس السابق محمد مرسي، بأن يقول: "كفاية نهضة". وكان المعنى واضحا، ما يسميه الرئيس نهضةً هو في حقيقته أفكار جيدة، ونيات طيبة، وإدارة عاجزة، وغير احترافية. وبالتالي تأتي النتائج بما لا يشتهي الشعب، ويأتي خطاب "احمدوا ربنا" و"كنا فين وبقينا فين" ليطالب الجماهير الجاحدة بالحمد والشكر، والتهليل للنهضة. الأمر نفسه يتكرّر مع عبد الفتاح السيسي. لا أحد يكره المنجز، ولا أحد لا يتمنّى التغيير (إلى الأفضل طبعا)، ولا أحد، عاقلا، يسعه الإنكار، حال تحقّق منجز فعلي. المشكل الآن في مفهوم المنجز، وسياسات إنجازه. اتفقنا على "الطريق"، لكننا نختلف، حد الصراخ، على "الطريقة"، ما يتم إنجازه للناس لا يمكن أن يمر على جثثهم، أمنهم، رزقهم، استقرارهم.
يحدث الآن في حي نادي الصيد في الإسكندرية ما سبق في عشرات الأحياء. حي شعبي، وليس عشوائيا، يحتاج إلى التطوير. بكل تأكيد، يعاني سكانه من تردّي الأحوال، خصوصا في فصل الشتاء. المطلوب هو التدخل السريع، والحل الفوري، والتطوير المدروس، وهو ما وعدت به الدولة غير مرّة، ولم تنفذه. والآن قرّرت الدولة التنفيذ، فما هي خطة التنفيذ؟ يجب أن ينسحب الناس، لتصلح الدولة، ثم ماذا؟ هل يعود الناس؟ لا أحد يجيب. ما خطة الانسحاب؟ باختصار: "قلت لهم ينسحبوا"، تلك العبارة التي تشير إلى واحدٍ من أسوأ القرارات في التاريخ العسكري الحديث، (انسحاب جنود الجيش المصري في يونيو/ حزيران 1967). العقلية نفسها ما زالت تحكُم، العشوائية نفسها ما زالت تقود، والهزيمة نفسها تحوّلت إلى حدث يومي، روتين. والأدهى أننا نتجرّعها مع مطالباتٍ سلطوية بالحمد والشكر، وابتزازات إعلامية بالجحود والنكران، فضلا عن الحضور الدائم لخطاب المؤامرة على التطوير، والمؤامرة على الإنجازات، والمؤامرة على الرئيس، ومروجي الإشاعات، والمستفيدين من العشوائيات،.. إلخ.
يتجاوز حضور بعض الأهالي في حي نادي الصيد السبعين عاما، أي أنهم موجودون قبل وجود دولة يوليو 1952. عاشوا هنا، ولدوا، وتربوا، وتعلموا، وتزوجوا، وأنجبوا. مصالحهم هنا، جيرانهم، زبائنهم، العجائز منهم لا يعرفون سوى نادي الصيد، بناسه، وتفاصيله. لا يمكنهم، في هذا العمر، أن ينتقلوا إلى مكان آخر، خصوصا مع إمكانية تطوير المكان، وهم فيه، كما يحدث، حال وجود خطة. الآن تخبرهم الحكومة أن عليهم الانتقال إلى "مكان أفضل"، حي آخر، شقق أخرى، كما أن عليهم أن يدفعوا إيجار الشقق الجديدة، لماذا؟ لأن بيوتهم القديمة ليست ملكهم! البيوت التي سكنوها، أبا عن جد، ليست ملكهم، والأرض التي أحيوها، أبا عن جد، ليست لهم، كما أن أعمارهم، هنا، ليست لهم، وليس من حقهم أن يطالبوا بها أو يدافعوا عنها. تجمّع الأهالي ورفضوا، تظاهروا، (بشويش طبعا)، ورفعوا لافتاتٍ تفيد بأن الأرض ملكهم، وبأنهم ليسوا ضد التطوير، إنما هم ضد التهجير، فجرى اتهامهم بالشغب. ونحن الآن في طور تحولهم، إذا تمادوا، إلى مجرمين، مثلما حدث، بالضبط، مع أهالي جزيرة الوراق الذين رفضوا تهجيرهم، ورفعوا قضية، وحكم لهم القضاء بملكية الأرض، ومع ذلك جرى "التطوير بالتهجير"، رغما عنهم وعن القضاء، وألقت السلطات القبض على عشراتٍ منهم، بتهمة التجمهر، ولاقوا أحكامًا جنونية بالسجن المؤبد والمشدّد!
مواطنون بسطاء، فقراء، عاديون، لا يطلبون سوى بيوتهم، أرزاقهم، محلاتهم التجارية التي لا يعوّضون عنها، بعد التهجير. شبكة كاملة من المصالح المعتبرة، تنتزعها الدولة منهم بجرّة قلم، بالأمر. وتطلب منهم أن يتحمّلوا فاتورتها مرّتين، واحدة بالتهجير وأخرى بدفع "إيجار المهجر". من هنا يأتي "الموقف المبدئي" من رفض الحكم العسكري، ليس لأنه غير ديمقراطي، ولكن لأنه غير معقول، غير إنساني، حتى في سعيه إلى الإنجاز. لا يفهم سوى منطق الأوامر الفوقية، الاستعلائية، الإلهية. وفي الحالتين، التنفيذ أو العقوبة، ماكينات، لا بشر، لا منطق، لا عقل. التطوير ليس كذلك، ثمّة اختراع اسمه السياسة، وآخر اسمه التخطيط، بالعقل، وليس بليّ الذراع. "كفاية تطوير"، بوصف باسم يوسف.