كرسي أرجلُه من أعواد المشانق

كرسي أرجلُه من أعواد المشانق

24 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

تأنّق في جلستك على الكرسي الذي كم اشتهيته ولا تخف، فلن يلمسه أحدٌ سواك، تأنّق واجلس وتشبث به إلى غاية ما تريد، حتى بعد 2030، حتى بعدما ترى أحفادك ضباطاً، حتى إلى ما بعد أن تنتهي الحروب من العالم، بعد ما تشحّ المياه على ظهر الكوكب، ويصبح الطعام سلعة استراتيجية، وتهرب القطط كي تنتحر مع القمري، بعد ما فقدت صغارها من الجوع إن استطاعت أن تنافس القمري في الحزن.

تأنّق في جلستك، فالشعب الخائف على مياه نهر النيل من العطش لن يستطيع أن يُحاربك برصاصٍ مثل الذي معك، وجنودٍ مثل الذين معك، وطائراتٍ مثل التي معك، وبرلمانٍ وقنواتٍ فضائيةٍ ومهرجاناتٍ في شرم الشيخ. تأنق في جلستك واطمئن، فالشعب ليس معه رجال أعمال معهم المليارات، ولا جوائز يمنحها للكتّاب والفنانين كي يصمتوا إلى الأبد. الشعب فقط ينتظر "الـ500 جنيه"، آخر كل شهر، بعد ما جلس العمّال بلا عمل وسكتت حركة البناء.

ابنِ مدينتك على أحدث صيحة في التحصين، وابنِ حولها سوراً من فولاذ، وأحضر وكالات الغرب كي يصوّروا، وتنقلهم الطائرات، مساء، إلى منتجعات شرم الشيخ، كي يحكوا لبلادهم وصحفهم عن ذلك الصرح الذي بنيتَه في الشرق من دماء شعبٍ فقير.

تأنّق في جلستك على الكرسي الذي كان حلمك منذ خمسين سنة، وقرأتَ له الموسوعات والمراجع، وكانت ثلاجتك خاليةً من أي شيء سوى الماء، وأنت تقرأ وتقرأ في علوم السياسة حتى صار عقلك موسوعةً سياسيةً، وثلاجتك تتحنث إلى ثلاجات الجيران المليئة بالتمر والجوافة والعنب، وأنت من أجل الكرسي تؤدّب ثلاجتك، وتقول لها جوعي وجوعي سنوات، كما جاع عمر بن الخطاب، حتى جلستَ على الكرسي بعد تعبٍ أضناك، أنت والأسرة الكريمة، سنوات، فكيف تحمّلت معك الأسرة البسيطة القانعة كل هذا التعب والجوع سنواتٍ فاقت سنوات جوع مصر أيام سيدنا يوسف بثلاث سنوات، وتلك حكمةٌ لم نعرفها بعد.

تأنّق في جلستك، فالقضاء الشامخ يده تمسك بكل شيء، وتُحاصر كل شيء، وتُحاكم كل شيء. القضاء يحمي كل أحلامك من أهل الشر، ويتبعهم حتى في الحفر والمطارات والموانئ، يتابعهم في تركيا وفي جنوب أفريقيا، والإعلام مساءً يكمل الدائرة.

تأنّق في جلستك، فنهر النيل لن ينقص منه الكثير، والأمم المتحدة ستقوم بالواجب، وأوروبا ستخضع لأحلامك، وإلا أخفتها بشياطين الهجرات غير الشرعية عبر البحر من بنغازي وكل الشواطئ. تأنّق في جلستك فأوروبا تخاف منك، وبايدن يعمل لك ألف حساب، والمصري لن يستطيع مرة ثانية أن يقترب من الميادين، لأنه رأى وسمع كما أحصيت لهم أنتَ على أصابعك العشرين: "افتكروا رابعة والنهضة والحرس وأخواتها"، فما عاد له من حيلةٍ سوى الصمت والانتظار.

تأنّق في جلستك، وافتح أبواب المحاكم من الصباح، وزد في عدد الجند، واستورد لهم السلاح والبطاطين والأحذية. وفي كل شهر، زد من مرتبات الجيش والشرطة والقضاء، فهم مساكين يعرفون قيمة الحكم. تأنّق في جلستك، وكل آنٍ مرّ على إنسان بسيط تحت كوبري يريد عملية قسطرة، احمله معك في سيارتك إلى مستشفى القوات المسلحة، وتابع العملية بنفسك عبر الدوائر التلفزيونية، وأنت فوق الكرسي بالقصر، واربط جلستك بأحمد موسى والمريض، وأحمد يصرُخ باكياً في الشعب، ويمسح دموعه، ويقول بأعلى صوت: "شوف يا شعب سيادة الرئيس وإنسانيته وهو يتابع عملية مصري بسيط من الشعب غلبان والله، وتأملوا كيف أرسل لنا الله هذا الرئيس".

تأنّق في جلستك، فالعالم مشغولٌ بشعوبه وعلمه وفنونه وموسيقاه وأحلامه وبساتينه ومعامله، وغير مشغول بالمرّة بأمر 12 فرداً ستنصب المشانق لهم خلال أيام أو شهور، لأن العالم الذي رأى دماء أكثر من 700 في "رابعة"، تم سحقهم وحرقهم ورمي جثثهم وبقاياها في الصحراء خلال ساعتين، لن يتأثر كثيراً على "كمالة" بـ12 جثة أخرى، وإن بينهم أطباء حصلوا على أعلى الدرجات العلمية، وكانوا وزراء واختارهم الشعب نواباً.

العالم لم يتأثر كثيراً، فقط البس الخاتم وادعكه، وسيقوم عشماوي الجديد باتخاذ اللازم، وأنت في حديقتك فوق الكرسي تمسَح على شعر أحفادك والورد هناك.