كأس العرب نجاح قطري للعرب

كأس العرب نجاح قطري للعرب

17 ديسمبر 2021

من مباراة منتخبي قطر والجزائر في كأس العرب في الدوحة (15/12/2021/Getty)

+ الخط -

بطولة كأس العرب التي تستضيفها قطر بمثابة بروفة لكأس العالم (المونديال)، التي ستقام على ملاعب الدوحة من 21 نوفمبر/ تشرين الثاني إلى 18 ديسمبر/ كانون الأول من العام المقبل. وبذلك اختبرت قطر الأرض والملاعب واللوجستيك والجمهور والإعلام، وقيّمت التجربة لتخرج منها بدروس، تتدارك كل ما يمكن أن يحصل من أخطاء ونواقص وهفوات. وهذا قرار حكيم، سيما وأن هذا البلد الصغير سوف يستقبل لأول مرة حدثا دوليا يستمر قرابة شهر، ويحضُره جمهور كبير من كل أنحاء العالم، ما يتطلّب استعداداتٍ استثنائية، تبدأ من توفير طيران النقل، وحتى المنام والطعام والترفيه وأمن الملاعب والمباريات التي تشهد عادة مشاحناتٍ بين مشجّعي الفرق المختلفة. وتُجمع الشهادات كافة على أن استعدادات المونديال أكثر من ناجحة، وأشادت بها قيادة "الفيفا" والمسؤولون عن تنظيم الدوريات العالمية والعربية. وصدرت تصريحات وآراء ومواقف تمتدح الإنجاز القطري، والذي تحقق خلال أقل من عشرة أعوام، بعضها كانت فيه البلد تواجه حصارا على جميع المستويات، ولكنها سابقت الوقت وسبقته، ما أثار إعجاب العالم الذي كان يحسب أن الدوحة لن تستطيع أن تكون في الموعد فيما يخص البنى التحتية، ولكن الحصيلة جاءت عكسية، وكانت قطر جاهزةً قبل عامين، وعندما تمّت البروفة الأولى على الملاعب التي ستدور عليها مباريات المونديال، كانت النتيجة أكثر من مدهشةٍ بالنسبة للمتخصّصين الأجانب والعرب في عالمي الرياضة والإعلام.

نالت قطر الاحترام والتقدير مرة أخرى، لأنها حقّقت عدة إنجازاتٍ في فعالية واحدة، التنظيم، الفرجة، اللمسة السياسية والثقافية. وعاش جمهور الرياضة حوالي ثلاثة أسابيع وهو يتنقل بين الملاعب ذات التصميم الفني البديع، والذي حقّق معادلة الأصالة والمعاصرة، وسط طقوس احتفالية لم يشهد لها العالم العربي مثيلا. ونالت قطر وسام لمّ شمل العرب في الدوحة، فلم يكن الحدث رياضيا فحسب، بل كان سياسيا وثقافيا واجتماعيا ووجدانيا. وسرت هذه الروحية من حفل الافتتاح، وفي كل يوميات الفعالية، وهذا أمرٌ يتجاوز حسن الإدارة والتخطيط الناجحين إلى رؤية أبعد تتمتع بها قيادة هذه الدولة الطموحة التي استثمرت في كل ما يجعل من بلدها حاضرا على الخريطة العالمية، ليشارك، على نحو إيجابي وبناء، بما ينمّي من القواسم المشتركة لتلاقي الشعوب. ونجح الحدث الكروي، في هذا الزمن العربي الرديء، في أن يقرّب بين أبناء البلدان العربية في وقتٍ عملت بعض السياسات القاصرة على تفريقهم وحفر الخنادق بينهم. ولا يقلّ أهمية عن ذلك أن يفرح الناس، ويلعبوا في هذا الوقت الذي شاعت فيه حالةٌ من الإحباط والتراجع. وكان لافتا، ويبعث على الاعتزاز، رفع علم فلسطين عاليا في أغلب المباريات، وفي ذلك رسائل ضد التطبيع والمطبّعين مع إسرائيل.

وعلى الرغم من أن الدوحة عاشت أوقاتا صعبة وهي تواجه هجمات بعض العرب الذين حاولوا أن يحرموها من تنظيم المونديال على أرضها، فإنها أهدت هذا الإنجاز إلى العرب، ودعت العرب إلى الدوحة ليشاركوا بالفرح، ويحتفلوا به بوصفه إنجازهم، في وقت تعمل ماكيناتٌ كثيرة على طردهم من الحاضر، وتصويرهم شعوبا تتغذّى على الإرهاب، وتعيش على الحروب البينية. وثمة إنجاز أحسّه عالم الرياضة العالمي، أن الدوحة التي أقامت بنى تحتيةً رياضيةً بمواصفات ممتازة، باتت مركزا رياضيا عالميا، مثل العواصم الأوروبية التي تنظّم الدوريات الرياضية الكبيرة على أراضيها. وسيكون لما بعد حدث المونديال في العام المقبل ما يليه، ليس على مستوى الرياضة العالمية فحسب، بل على أكثر من صعيد في الإعلام والاقتصاد والثقافة. تسير الدوحة إلى الأمام، وتنتقل من إنجازٍ كبيرٍ إلى آخر، بروحيةٍ بنّاءة وإيجابية، وتدرك أن "ما ينفع الناس يمكث في الأرض".