قيس سعيّد يريد جماهيرية .. ماذا يريد الشعب؟

قيس سعيّد يريد جماهيرية .. ماذا يريد الشعب؟

08 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

منذ ولوج الرئيس التونسي، قيس سعيد، قصر قرطاج، وهو يعارض النظام من الداخل، من أعلى هرم السلطة. ساهم في تعطيل عمل الحكومة، رفض أداء الوزراء اليمين، ومنع تأسيس المحكمة الدستورية. لم يخاطب البرلمان ولو مرّة، تبرّأ من الأحزاب براءة الذئب من دم يوسف، وصرخ في وجه المنظومة السياسية في بداية ثورة الياسمين: "ليرحلوا كلهم بمعارضتهم وبأغلبيتهم. ليعلنوا أنهم أفلسوا". فكيف ينقلب، إذن، الرئيس على المسار الديمقراطي، وهو لم ينخرط فيه بالأساس؟ وكيف ينقلب على الدستور، وقد جاهر برفضه قبل أداء اليمين الدستورية وبعده؟

ما أقدم عليه الرئيس، منذ ليلة 25 يوليو/ تموز الماضي، ما هو إلا بداية تفعيل مشروع "الانتقال الثوري الجديد"، الذي مرّ عليه الإعلام مرور الكرام، وتجاهلته القوى المدنية والسياسية إبّان الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة. في حوار أجرته معه كوثر زنطور، ونشرته أسبوعية "الشارع المغاربي"، يوم 11 يونيو/ حزيران 2019، تحدث قيس سعيّد، بأريحية، عن قناعاته الشّعبوية، وقرأ الفاتحة على الأحزاب التونسية التي توقّع اندثارها من تلقاء ذاتها، لأن عهد الأحزاب والديمقراطية النيابية ذاتها قد ولّى. في المقابل، مجّد الشعب ومدح قدراته على مباشرة الحكم من دون وساطة حزبية.

في بضعة سطور، لخّص قيس سعيّد تصوّره لثورة تقوم على إزاحة النظام الحزبي، وتأسيس نظام رئاسي على مستوى القمة، ومجالسي في القاعدة. ينطلق هذا "البناء القاعدي" من المحلي نحو المركزي، بانتخاب مجالس محلية في كل معتمديات تونس الـ 265، ومن كل مجلس محلي يتم اختيار عضوين، الأول يمثله في المجالس الجهوية للولايات الـ 24، والثاني يمثله في مجلس نواب الشعب. حسب هذا التصور، تتمتّع المجالس بالسلطة التشريعية والرقابية، وتضطلع بمهمة بلورة المشاريع التنموية وتنفيذها، بينما ينفرد رئيس الجمهورية بالسّلطة التّنفيذية كاملة، ويتكفّل بتعيين رئيس الحكومة.

يسعى قيس سعيّد إلى ثورة تقوم على إزاحة النظام الحزبي، وتأسيس نظام رئاسي على مستوى القمة، ومجالسي في القاعدة

في المقابلة ذاتها، تعهد سعيّد بعدم إجراء انتخابات تشريعية مباشِرة في حال انتخابه رئيسا للبلاد، إذ إن مشروعه السياسي يشمل فقط انتخابات محلية ورئاسية، تسبقها "عملية تطهير للبلاد"، شبيهة بالتي يقودها اليوم. ولم يُخفِ أنه يعتزم تعديل دستور 2014 لتحقيق مشروعه السياسي، من دون أن يشرح كيف سيتسنى له ذلك، والفصلان 143 و144 من الدستور ذاته يحظران تغيير نظام الحكم أو تعديل الدستور، إلا بموافقة ثلثي أعضاء مجلس نواب الشّعب ووجود محكمة دستورية. لم يتوقف المرشّح عند المجاهرة برغبته في حذف المنظومة الحزبية، وإنما أقرّ أيضا بأنه ينوي إيقاف دعم كل الجمعيات، إذ يعتبرها مطيّة خارجية للتدخل في شؤون البلاد.

من المؤسف أن الإعلام لم يقم بواجبه تجاه الناخب التونسي، ولم يطرح للنقاش العام مشروع ثورته المضادّة. وحتى عندما واجه منافسه، نبيل القروي، مساء 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، في مناظرة تلفزيونية حاسمة، تابعها سبعة ملايين مشاهد، لم يطلب الصحافيان منه شرح مشروع إزاحة الديمقراطية النيابية لتأسيس نظام حكم بديل. منعتهما تعليماتُ الهيئة العليا المستقلة للانتخابات والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري (الهايكا)، من "الانخراط في محاجّة المترشحين"، وفرضت عليهما التقيّد بأسئلةٍ متفقٍ عليها مسبقا.

لو طُرح للنقاش مشروع ديمقراطية سعيّد المجالسية، لأدرك الناخب أن الأستاذ يريد أن يُجرّب في تونس نسخة منقّحة من جماهيرية الزعيم الليبي الراحل، معمر القذافي. يصعب عدم استحضار أوجه الشبه بين سعيّد الذي يصف الأحزاب "بخيانة المؤتمن" والزعيم القذافي المعروف بشعار: "من تحزّب خان". كلاهما زعيم شعبوي مثير للجدل والسخرية، كاره لمؤسسات الدولة، رافض للتعدّدية والمعارضة السياسية، مروّج أسطورة حكم الشعب نفسه بنفسه. ويقابل هرم مجالس سعيّد الثلاثة، نظام القذافي المؤسَّس أيضا على ثلاثة مستويات: اللجان/ المؤتمرات الشعبية الأساسية، المؤتمر الشعبي غير الأساسي، والمؤتمر الشعبي العام.

تعدّد مراكز صناعة القرار قد يشكل، في حد ذاته، عائقا أمام اتِّخاذ القرار، وقد يتحوّل الاختلاف بين هذه المراكز إلى صراعاتٍ واسعة ومتواصلة حول السلطة

على خطى القذافي، يسير قيس سعيّد بثبات، غير مكترثٍ بمأساوية نهاية حكم الزعيم، وحجم البؤس والدّمار الذي خلفه. قبل إعلانه عن "الإجراءات الاستثنائية" بأيام، دعا إلى التفكير في تصوّر جديد ضمن "حوار وطني يشارك فيه الشباب التونسي"، وطالب بوضع "بناء قاعدي" يقوم الشعب من خلاله بانتخاب ممثليه. مرّة أخرى، ينهج سعيّد أسلوب القذافي الذي اتخذ "الحوار الوطني" مدخلا لإرساء جماهيريته وإقصاء معارضيه، فقد أقام الأخير سنة 1970 "ندوة الفكر الثوري"، دامت أسابيع وشارك فيها صفوة المثقفين والسياسيين والإعلاميين ومواطنون عاديون. وبينما كان المشاركون يناقشون بجرأة مشروع الثورة الشعبية، كان القذافي يسجّل أسماء من تجرأوا على مطالبة مجلس قيادة الثورة بالعودة إلى ثكناتهم وتسليم السلطة للمدنيين، كي يشقوا طريق الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع. انتهى "الحوار الوطني" بتصفية المعارضين وتكميم أفواه المواطنين. وبينما شَغَل الشعب بمتاهة اللجان والمؤتمرات الشعبية، استأثر الزعيم الليبي بجميع مقاليد الحكم لنفسه، وتبيّن أن الحكمة من إقصائه التمثيل النيابي هي التخلص من المعارضة، وإرساء نظام شمولي ما كان ليستمر 42 سنة لولا ثروات نفطية أهدرها على حماقاته.

سيناريو مشابه قد ينتظر الشعب التونسي إن قَبِلت القوى السياسية والمدنية الانخراط في خدعة "الحوار الوطني" الذي يدعو له الرئيس، لجرّها إلى اصطدام فكري مع قاعدته الشبابية المشحونة بوهم الديمقراطية المباشرة. إذ يستند سعيّد إلى فئات شبابية واسعة تجمع بين اليسار والإسلاميين، وتجمّعات طلابية متشبعة بأفكاره وأفكار شريكه رضا المكي، الملقب رضا لينين، أهم المنظّرين لمشروع الديمقراطية المجالسية الشعبية. ويزعم سعيّد أنه طرح مشروعه سنة 2011، عندما أعرب عن نيته للترشح، وطرحه أيضا سنة 2013 تحت عنوان "من أجل تأسيس جديد"، ثم أعاد طرحه خلال الانتخابات الرئاسية، ما يفيد بأنه مصرّ على المضي في تحقيقه حتى النهاية.

يتمدّد الرئيس يوما بعد يوم في الساحة السياسية، تحت تصفيقات الجماهير وسكون الأغلبية الصامتة. قرابة ثلاثة ملايين ناخب صوّتوا له، لصورة الأستاذ النزيه، الزاهد في السلطة، صاحب اليد النظيفة؛ منحوا ثقتهم للرجل، لا لمشروع ثورته المضادّة. الآن وقد اتضحت خريطة طريقه نحو إسقاط نظام الحكم وتأسيس نظام بديل، أصبح هذا السؤال ملحّا: ماذا يريد الشعب؟ هل سترضى الجماهير التي صنعت من سعيّد رئيسا، أن يحوّل الجمهورية التونسية إلى جماهيرية؟ هل الشعب الذي أسقط نظام زين العابدين بن علي سيعود بالبلاد إلى مربع الاستبداد؟

على خطى القذافي، يسير قيس سعيّد بثبات، غير مكترث بمأساوية نهاية حكم الزعيم، وحجم البؤس والدّمار الذي خلفه

يتوقف الجواب على مدى إدراك الشعب بأن مشروعا كهذا جدّ مكلف ماديا، ويعيد إنتاج الصراعات السياسية التي شهدتها تونس على المستوى المركزي، ولكن على نطاق أوسع بكثير. فتعدّد مراكز صناعة القرار قد يشكل، في حد ذاته، عائقا أمام اتِّخاذ القرار، وقد يتحوّل الاختلاف بين هذه المراكز إلى صراعاتٍ واسعة ومتواصلة حول السلطة. وبدل أن يتلاسن ويتعارك 217 نائبا برلمانيا في المكان والزمان نفسيهما، ستتوسع دائرة الصراع حول المناصب والمصالح لتشمل آلاف ممثلي الشعب من مجالس المعتمدية إلى قبّة مجلس البرلمان، مرورا بالمجالس الجهوية، اللهم إن افترضنا مع سعيّد أن كل مواطن يتمتع بوعي سقراط، ومواطنة مانديلا، وعدل عمر بن الخطاب.

التحوّل الديمقراطي الذي يتحدّث عنه الجميع ليس مجرّد آليات انتخابية وتداول على السلطة، بل يحتاج لثقافة الحوار والتفاوض والتنازل، وإدارة عقلانية للخلافات من أجل الوصول إلى توافقات. ومن أهم ما أبرزه الربيع العربي أن الديمقراطية لا تستقيم من دون ديمقراطيين، وأن عيوب النّخب من عيوب الشعوب، والعكس صحيح، فالديمقراطية بالأساس مجموعة قيم وسلوكيات يصعب أن تتوفر في الفضاء السياسي، إن لم توجد في المجتمع بنسبة عالية، وتحكم العلاقة بين الأفراد في البيت والشارع والجامعة والمتجر والمصنع.

طموح المجتمعات العربية إلى الديمقراطية يستوجب إصلاحات ثقافية عميقة. ينبغي التعرّف إلى مكامن الخلل والقصور في الموروث الثقافي والمعرفي والديني، انطلاقا من موقفٍ بناء، بعيد عن كل تبجيل أو إقصاء. فكما يقول محمد عابد الجابريّ: "التّراث هو كلّ ما هو حاضر فينا أو معنا من الماضي، ماضينا نحن أم ماضي غيرنا، القريب منه أم البعيد".

بين رواسب الماضي وٍآفاق المستقبل تعيش الشعوب العربية حالة تجاذبٍ بين الديمقراطية والاستبداد، لكن ما يبعث على الأمل أنها قد تحرّرت من الركود، وبدأت رحلة الألف ميل بأكثر من خطوة.