قوى الثورة المضادّة وتحطيم المفاهيم السياسية

قوى الثورة المضادّة وتحطيم المفاهيم السياسية

05 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

سعت الثورات العربية التي انفجرت في المنطقة قبل عقد انطلاقًا من تونس إلى مطابقة الخطاب السياسي المنفصل عن الواقع الذي أنتجه استبدادٌ مديد، بجعل هذا الخطاب مطابقاً للواقع ومعبراً عنه. في الوقت الذي عملت الثورة المضادّة التي نجحت في تحطيم الثورات العربية في كل مكان انفجرت فيه، واليوم تسعى إلى تحطيمها في تونس، الحصن الأخير للثورات العربية الذي يمنح المنطقة الأمل، فإنها لم تعمل على إبقاء هذا الانفصال بين الخطاب السياسي والواقع، بل عملت على تفكيك المفاهيم السياسية ذاتها وتحطيمها وتحويلها إلى مفرداتٍ لا معنى لها، لتحطيم سياقها الجديد الذي جاءت به الثورات العربية، أي لتحطيم الخطاب المضاد للاستبداد.

إذا كان من الصحيح أنّ هوةً سادت بين الخطاب السياسي العربي خلال العقود الخمسة المنصرمة، والواقع المُفترض أنّ يكون هذا الخطاب صادرًا ومعبراً عنه، وقد وصلت هذه الهوة في حالات فاقعة كثيرة إلى تحويل الواقع القائم والمعاش إلى نقيضه على طول الخط. وتحت هذا الانفصال، أجبر الاستبداد الشعوب العربية على الاحتفال بالمنجزات التنموية الاقتصادية في ظل الفقر المتصاعد من كلّ جنب من جنبات الوطن العربي، كما أجبرهم على الاحتفال بالثورة العلمية في ظل التردّي التعليمي الصارخ، وكان عليهم أن يحتفلوا بالديمقراطية في ظلّ أقسى الأنظمة الديكتاتورية، لأنّ خطاب الاستبداد يفرض بالعنف على المواطنين/ الرعايا، أن يصدقوا ما تقوله السلطة المستبدة، حتى عندما تكون لا تصدق نفسها، ويدّعي الرعايا التصديق، خوفاً من عسف السلطة واستخدامها الاعتباطي العنف ضد أي بادرة معارضة. وبذلك، كرّر المواطنون خطاب السلطة، مرّة على سبيل الإذعان لخطاب السلطة تحت وطأة الخوف من العقاب، ومرّة على سبيل السخرية. وفي كلتا الحالتين، لم يحمل المواطن العربي هذا الخطاب على محمل الجد.

لم تصل التجربة السياسية العربية إلى هذه النتيجة مباشرة، جرت تغيراتٌ كبيرة على فهمها منذ تجربة الاستعمار التي أعطت السياسة معنى حديثاً لدول المنطقة، وبالتالي، ولد هامش ديمقراطي في الدول التي خضعت للاستعمار، على الأقل في قضايا التعبير عن الرأي. بمعنى، لم يكن هناك من يُعتقل على الرأي في ظلّ السلطات الاستعمارية. طبعاً، هذا لا يعني أنّ هذه السلطات كانت نموذجية وعادلة، لكنّها سلطات استوحت نموذجاً من الدول المُستمِرة، كان نموذجاً حديثاً منسوباً لآليات الحكم الأكثر عسفاً للدولة العثمانية ذات المنطق الإمبراطوري.

لم تستطع الثورات العربية ردم الهوة بين الخطاب السياسي والواقع القائم، لأنّ الاستبداد المديد جعل الخطاب السياسي مجرّد تهويمات

مع نزع الاستعمار والحصول على الاستقلال الوطني، لم تجرِ هذه العملية التاريخية في سياق تطوير الجوانب الإيجابية، خصوصاً الهوامش الديمقراطية، وتحويلها إلى مكون أساسي من مكونات هذه المجتمعات. على العكس، كانت هذه الهوامش التي يمكن اعتبارها إنجازات موضوعية للتجربة التاريخية، هي مجال الهجوم من السلطات العربية الوطنية، والتي وصلت إلى ذروتها في الانقلابات العسكرية، وإلغاء كلّ الهوامش الديمقراطية، والحكم بقوانين الطوارئ والأحكام العرفية، لحماية السلطات المستبدّة الجديدة نفسها من مواطنيها. وباتت الكلمة التي لم يكن يحاسب عليها زمن السلطات الاستعمارية، يعاقب عليها بالسجن المديد، وغالباً من دون محاكمة سنوات طويلة، إن لم يكن بالقتل. وبذلك تم نزع السياسة من المجتمعات العربية، وسادت سلطاتٌ استبداديةٌ اعتباطية، غير محكومة بتاريخ سابق ولا بأعراف حكم، ولا قيمة لأيّ اعتبارات سياسية، العنف العاري هو وسيلتها الأساسية للحكم. والمفارقة أنّ أحد الأسس التي ادّعاها الاستبداد العربي لعدم صلاحية الديمقراطية، أنّه يواجه الخطر الإسرائيلي الذي يحتاج إلى مجتمع موحد لمواجهته، والديمقراطية تجعله ضعيفاً أمام مواجهة هذا الخطر، في وقتٍ كان العدو يعيش حياة سياسية ديمقراطية داخلية، كانت هذه الحياة الديمقراطية عاملاً أساسياً في تفوقه علينا، وهزيمتنا المرّة بعد الأخرى.

في ظل الاستبداد الذي ساد المنطقة، وساعدت ظروف الانقسام الدولي في عالم القطبين على تعزيزه وحمايته، أخذ الخطاب السياسي ينفصل عن الواقع، وكلما زاد هذا الانفصال، شعرت السلطات الاستبدادية باستقرارها، وقدرتها على التلاعب في بلدانها، من دون حسيب أو رقيب. وهذا ما جعل الأوضاع الاقتصادية تتردّى بصورة حادّة، مقارنة بالدول الأخرى التي كانت تعيش أوضاعا متقاربة مع أوضاع دول المنطقة، أقصد دول النمور الاقتصادية في آسيا وكذلك ماليزيا وإندونيسيا، وغيرها من دول آسيا، حتى التي كانت فيها أنظمة مستبدّة تشبه استبداد المنطقة، مثل نظام سوهارتو في إندونيسيا الذي أنجز تقدّماً اقتصادياً. أما الاستبداد في العالم العربي، فكان إنجازه الوحيد أنّه حطم بلدانه.

فككت قوى الثورة المضادّة المفاهيم السياسية، وحوّلت النقاش السياسي إلى شيءٍ لا معنى له

عندما جاءت ثورات الربيع العربي الكاشفة لواقع الحال العربي، وكانت محاولة لتقريب الخطاب السياسي من الواقع القائم، كانت الهوة أكبر من أن تردم بين الخطاب والواقع، والخراب في هذه البلدان أعمق من أي تصوّر نظري سابق. لم تستطع الثورات العربية ردم هذه الهوة بين الخطاب السياسي والواقع القائم، لأنّ الاستبداد المديد جعل الخطاب السياسي مجرد تهويمات، ليس لها أي علاقة بالواقع الموضوعي. وبالصدام الذي حصل مع قوى الثورة المضادّة، والبنى العميقة للاستبداد التي تركتها هذه الأنظمة في بنية هذه الدول، تم الانتقال من انفصال الخطاب السياسي عن الواقع إلى عملية سياسية مدمرة، قامت على تفكيك العلاقة بين المفاهيم ومعانيها في الواقع، وتحولت اللغة إلى حالةٍ عبثية، وباتت المفردات لا تدلّ على معانيها، لأنّ هناك من عمل على سرقة المفردات. وبهذه المحاولات، ماعت اللغة وماعت المفردات، وأصبحنا عندما ندير نقاشاً في السياسة بعضنا مع بعض، يكون لا معنى له، لأنّ المفاهيم، ليس لها المعنى ذاته. الانقلاب يسرق الثورة من الشباب، ويدّعي أنّه "الثورة" كما حصل في مصر، واستبداد الأسد في سورية يتحوّل إلى عملية انتخابية ديمقراطية تنافسية. هناك مرشحون آخرون شاركوه الانتخابات (تحيا ديمقراطية الدمار الشامل)، تدافع عنه نخب، تدّعي اليسارية والإنسانية، ضد الحرب الكونية ضدّه وتمدح صموده! ونصل أخيراً إلى إجراءات الرئيس التونسي، قيس سعيّد، الذي يدافع عن الإجراءات الاستبدادية، وإلغاء العملية الديمقراطية، بوصفها تعزيزاً للديمقراطية.

خلال السنوات العشر المنصرمة من عمر الثورات العربية التي كانت واعدةً بمستقبل أفضل، لم تقم قوى الثورة المضادّة، بالحفاظ على الانفصال بين الخطاب السياسي والواقع، بل فكّكت المفاهيم السياسية، وحوّلت النقاش السياسي إلى شيءٍ لا معنى له، بتفكيك المفاهيم السياسية الراسخة للمؤسسات السياسية الحديثة. وبذلك، لا يصبح المطلوب هو العمل على مطابقة الخطاب السياسي للواقع القائم فحسب، بل العمل على استعادة المفاهيم لمعانيها حتى يستقيم الجدل السياسي أولاً، وهو الشرط الشارط، لخطاب سياسي مطابق للواقع.