قصص أنيس الرافعي أو التجريب مسؤوليةً

قصص أنيس الرافعي أو التجريب مسؤوليةً

31 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

أنيس الرافعي قاصّ مغربيّ. حين تقول: "مغربيّ"، بالنسبة إلى أنيس، فإنّنا نتحدث عن الظلال والدهاليز، وعن السحر والشرفات، وعن القرميدات الحمراء لمراكش، وعن شخوصٍ عبروا في الزمن، وتركوا أثرهم في المكان، واستفادة من قراءات موغلة ومشاهدات. عن التجريب ليس لعباً حرّاً منفلتاً، بل مسؤولية فنية وجمالية لها قواعدها.
نشأ أنيس وعاش في مدينتين تعتبران زاداً ومعيناً لا ينضب لكلّ سارد، مراكش والدار البيضاء، إلّا أنّه يشبه، في اقتناصاته القصصية، ذلك الطائر الحوّام، الذي لا يحفل بالفريسة السهلة، بقدر ما يشغف بالتحليق الحر وعدم النزول السهل والتلقائي إلى تفاصيل الواقع. لذلك، لا تحفل كثيراً قصص أنيس بما ألفناه عن القصة من تتبع لحركة اليومي وشوارد الواقع وشخصياته المأزومة في صراعها مع غول الحياة، بقدر احتفائها بالغَوص في مرموزات اللغة وإشارات الجوامد ومكر المحكيات وحمولاتها المضمرة.
يمكن أن تذكّر تجربة الرافعي، في وجه من الوجوه، بتجربة رائد التجريب في القصة العربية، المصري يوسف الشاروني. لكنّ تجريب الشاروني اقتصر على مضامين الأفكار الجديدة، إذ إنّ مواضيع قصصه الواقعية تنتمي إلى ما لا يتطرّق إليه في العادة، وإلى الخفيّ والمتواري، مثل تلك القصص التي يستلّها من شخوص رواياتٍ لنجيب محفوظ، من أمثلتها شخصية صانع العاهات "زيطة" الذي اقتبسه من "زقاق المدق" وجعل له تمثالاً في نهاية الزقاق، تكريماً له، لأنّه يصنع العاهات، كي يستطيع بعض أفراد المجتمع أن يكسبوا عيشهم. ومن قصصٍ يمكن ذكرها للشاروني كذلك واحدةٌ تتحدّث عن أسباب هزيمة الـ 67، حيث كان موظفون يحصلون على مكافآت سهلة، من دون أن يبذلوا جهداً إضافياً يذكر، في مؤشّر على الفساد الاجتماعي الذي كان أحد بذور الهزيمة. تجريب الشاروني تلقائي، بينما التجريب عند أنيس يتميز بالحرص حدّ التقشف، وباجتهاد البحث عن شكل جديد، وإن بدا هذا الشكل معقّداً في النظرة الأولى، إلّا أنّه ينتمي إلى رحابة التجريب والبحث عن أشكال جديدة للقصة، لم تختبرها الذائقة من قبل.
هكذا، فعل أنيس الرافعي في مجموعته "الشركة المغربية لنقل الأموات"، حيث اقتنص مسمّى لافتة في أحد شوارع مدينة مرزوكة. لذلك، يمكن أن تكون قصصه نخبوية، لكنّها - في الوقت نفسه - تحظى بتفاعل نقدي. ولا مبالغة في القول إنّه من أكثر القاصّين في العالم العربي استقطاباً لكتابة مقالات عن قصصهم. لا نستبعد طبعاً شبكة محبيه وعلاقاته الخاصة التي لا يُخفي موهبته فيها. كذلك فإنّ دماثته ليست مصطنعة، هي كذلك متمنّعة كقصصه المتمنّعة على التأطير النهائي. يقيم كذلك على تخوم الذاكرة والتاريخ، بين النثر والسجع. ما بعد حداثي في سرده ومتصوّف أحياناً. سردُه مراوغ، كما في مجموعته "أريج البستان في تصاريف العميان" التي تبدو، من خلال اللغة التراثية، وكأنّ الذي كتبها أحد تلامذة المؤرّخ المصري الجبرتي، صاحب كتاب "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، إذ تنفتح الصياغة على السجع والمترادفات، لكنّه سجعٌ ماكر، لا تعرف فيه أين يضع الحدث صنّارته ومتى. وكثير من قصصه نتاج قراءةٍ موسوعيةٍ وابتكار، كما في مجموعته "مصحّة الدمى" ذات الطبيعة الشبحية. وتتعدّد أشكال تقديم المادة المسرودة في كلّ مجموعة قصصية لديه، كما في مجموعتي "اعتقال الغابة في زجاجة" و"خياط الهيئات". وكان في بعض قصصه يعيد بعث شخصياتٍ مرّت على مدينة ولادته مراكش، مثل شخصيتي الكاتبين، الإسباني خوان غويتسولو، والإنكليزي جورج أورويل.
لم تدفع الرافعي موجة النزوح نحو الرواية، ظلّ متحصّناً بقصصه، بيد أنّه في العمق مجرّب وعبر نوعي، ويقيم على مسافةٍ قريبةٍ من مختلف الأجناس القصصية الأدبية، بما فيها المقامة النثرية، فهو قاصّ لا تلتزم قصصه بالعُرف المغلق للنوع، بقدر ما تحاول أن تجرّب في طريقها، وتستخدم كلّ المتلاشيات والتحف و"الأنتيكة" من مواد مرقّعة ومرتّقة بمختلف الخرق الأفريقية واللاتينية. إذا سقطت راية أفريقيا الوسطى عن الصارية، ذات ريح عاصفة مثلاً، فإنّه يأخذها معه إلى مختبره، ويستخدمها قماشة لإحدى قصصه. وأتذكّر حين كنا في عمّان، أصرّ على لقاء إبراهيم صموئيل الذي لا يكتب سوى القصة. أنيس مثله لا يكتب سواها، كما فعل محمد خضير وأحمد بوزفور وآخرون تحصّنوا بهذا الجنس الأدبي العريق، وما بدّلوا تبديلا.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي