في وداع حاتم علي

04 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

بعد متابعة بضعة مشاهد من المسلسل التلفزيوني، "أهوه ده اللي صار"، المستمد عنوانه من أغنية سيد درويش الشهيرة، والذي عُرض في موسم 2019، أدركت أن وراء هذا العمل الدرامي البديع مخرجاً غير اعتيادي، بحساسية فنية مختلفة ومخزون معرفي متميز. وبعد البحث، فرحت لصحة توقعي، حين تبين أن مخرج العمل هو المبدع حاتم علي الذي فجعنا برحيله المباغت الأسبوع الماضي، وهو في ذروة العطاء، ما شكل خسارة جسيمة للدراما العربية الملتزمة، الجادّة والعميقة التي فقدت بغيابه واحدا من أهم عباقرتها، وهو الذي أثرى أرشيفها بأعمال درامية خالدة ارتقت بذائقتنا، لعل أبرزها "التغريبة الفلسطينية" التي وثّقت حكاية الشتات بحذافيرها، واحتفت بتضحيات الشعب الفلسطيني وروح المقاومة والصمود فيه منذ بدء المأساة، فكان هذا المسلسل علامة فارقة في سيرة حاتم الإبداعية الفذّة البارعة، المنسجمة تماما مع سيرته الإنسانية مبدعا حرّا نزيها ملتزما منحازا للضعفاء، مقاوما للاستبداد.
لم يختلف نهج حاتم علي، الملتزم الصارم، في آخر أعماله، مسلسل "أهوه ده اللي صار" للكاتب عبد الرحيم كمال، بمشاركة نخبة من فناني الدراما المصرية. تمكّن من ترجمة النص إلى مشهدية بصرية فائقة الجمال، إذ دارت أحداث المسلسل على مدى مائة عام، بدءا من 1918، متنقلا برشاقة بين المراحل التاريخية، متوقفا عند الأحداث والتحولات الكبرى التي عصفت بالمنطقة، متناولا الشخصيات الشهيرة في تاريخ مصر، موظفا إياها خلفية بانورامية، تخدم تصاعد الحكاية الممتدة، شخصيات مؤثرة ساهمت في صنع تاريخ مصر الحديث، مثل سعد زغلول، سيد درويش، الملك فارق، أم كلثوم، بيرم التونسي، جمال عبد الناصر، أنور السادات، وذلك في مزج عبقري بين سير تلك الشخصيات الحقيقية مع حيوات شخصيات المسلسل المتخيلة، متتبعا مسارها عبر أجيال ثلاثة.
اعتنى حاتم في هذا العمل، مثل عهده دائما، بالتفاصيل الدقيقة، سواء من حيث اختيار ممثلين على سوية إبداعية عالية، مثل سوسن بدر، وروبي، وأحمد داود، وغيرهم. إضافة إلى الديكور المتقن المدروس، شديد الإقناع، والأزياء التي عبّرت بدقة عن ملامح كل مرحلة، كذلك الحوار الذكي العميق، كما أبدى عناية خاصة بأهمية إتقان الممثلين اللهجات المتعدّدة في النص، من صعيدية واسكندرانية وقاهرية، وذلك بالاستعانة بخبراء متخصصين في هذا المجال، فجاء العمل متماسكا، قابلا للتصديق، حافلا بالمعرفة والجمال. وساهمت الموسيقى التصويرية والأغنيات واللوحات الراقصة، المختارة بعناية، بحسب المرحلة التاريخية، في إثراء الفضاء الدرامي، وإضفاء مزيد من المصداقية عليه، في هذا الفضاء الممسوك برؤية إخراجية ثاقبة، أمينة على روح النص، حريصة على احترام ذائقة المتلقي. وتدور الأحداث في مدينة الاسكندرية، وتنطلق من قصرٍ لعائلة ثرية، يشهد قصة حب مستحيلة بين شاب ثري وخادمة صعيدية، لتتشعب الحكايات وتتنوع بأسلوب شائق، قادر على توريط المشاهد الحابس أنفاسه أمام هذه التحفة الجمالية، خشية أن يفوته أي تفصيل مهما كان صغيرا.
قال حاتم علي، في مقابلةٍ تلفزيونيةٍ، بتواضع المبدع الكبير، غير المكترث بالألقاب المسكون بالقلق والارتياب، إن النص أعجبه جدا واستفزّه، وشكل تحديا له من حيث الموضوع وتكنيك السرد. وأضاف أن من الصعوبة بمكان أن نخبر "بكل الذي صار"، بمعنى ذكر الحقيقة كاملة في ظل ظروف سياسية قاهرة، ويبقى على الفنان المحاولة، على الرغم من معاندة الظروف، ذلك أن قول جزء من الذي صار يعتبر إنجازا كبيرا في ظل هامش الحرية المحدود.
في المحصلة، يبقى مسلسل "أهوه ده اللي صار" إضافة قيمة في مسار الدراما العربية، تستحق التوقف عندها، والتأمل في الجهد الكبير الذي بذله هذا المبدع الاستثنائي، المثقف مرهف الحس. اختار أصعب الدروب، للتعبير عن قناعاته وقيمه الإنسانية النبيلة وأخلاقه الرفيعة ورؤيته العميقة إلى الأشياء، ما جعل رحيله فاجعة حقيقية، وفقدانا كبيرا لن يعوّضنا عنه سوى ذلك الإرث الفني المعرفي الجمالي الذي خلّفه شهادة على منجز إبداعي باهر، وحضور إنساني مر في حياتنا كشهابٍ خبا قبل أوانه، وخلف الحزن العميق في نفوس محبّيه الكثر على اختلاف مشاربهم.