في ريبة حزب الله من تدويل الأزمة اللبنانية

01 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

بدأت مضاعفات جريمتي تفجير مرفأ بيروت الذي ذهب ضحيته 208 أشخاص واغتيال المثقف والناشط السياسي، لقمان سليم، تثير الريبة لدى حزب الله، وتكاد تفقد أعصاب أمينه العام، حسن نصرالله، الذي تصدّى للمطالبين بتحقيق دولي في الجريمتين. وعلّق مهدّدا ومتهكما في آن على دعوة البطريرك الماروني، بشارة الراعي، إلى عقد مؤتمر دولي من أجل إيجاد حل للأزمة اللبنانية، قائلا إنها "إعلان لحرب أهلية ... وبلا مزاح"، وحمل على الإعلام، متهما إياه بالانحياز والتضليل!
في 4 أغسطس/آب الماضي، أطاح اشتعال مئات الأطنان من نترات الأمونيوم التي كانت مخزنة، بطريقة غير شرعية ومشبوهة، في أحد العنابر، المرفأ اللبناني، ودمر أحياء تراثية بكاملها من بيروت، ودفع بنحو ثلاثمائة ألف شخص إلى العراء، عدا عن آلاف الجرحى والمشوّهين. أحيلت الكارثة على المجلس العدلي المختص للنظر بالجرائم التي تهدّد السلم الأهلي، ومن أجل الإسراع في التحقيق، وعيّنت الحكومة محققا خاصا. وها قد مضت ستة أشهر ونصف الشهر، ولم يحرز التحقيق أي تقدم، علما أن رئيس الحكومة كان قد أعلن، فور وقوع الانفجار الزلزال، أنه سيتم كشف الفاعلين خلال خمسة أيام.

تركزت الاتهامات باغتيال لقمان سليم بشكل شبه حصري على حزب الله، إما مرتكبا أو قادرا على معرفة المرتكب

وقبل أكثر من أسبوعين، اغتيل الناشط والمعارض السياسي لحزب الله، لقمان سليم، ابن الضاحية الجنوبية لبيروت معقل الحزب، في الجنوب، بعد أن نُصب له كمين في منطقة جنوب نهر الليطاني الواقعة تحت إشراف القوات الدولية، ثم وجد مقتولا في سيارته في منطقة شمال الليطاني الواقعة تحت سيطرة حزب الله. وتركزت الاتهامات بشكل شبه حصري على الحزب، إما مرتكبا أو قادرا على معرفة المرتكب. لم يظهر بعد أي خيطٍ في التحقيق، علما أن عائلة المغدور عبّرت عن عدم ثقتها بالقضاء اللبناني، وطالبت بتحقيق دولي. وهذا أيضا ما تطالب به بالنسبة للتحقيق في جريمة المرفأ أطراف سياسية وهيئات مدنية، وبالأخص أهالي الضحايا الذين سئموا دوامة المراوحة والمماطلة والتسويف والمراوغة، سيما الضغوط السياسية التي تمارس على القضاء، ما أدّى إلى غليان الشارع، وتصاعد النقمة، والغضب على الطبقة السياسية التي راحت تتحصّن بالصمت، ويغطّي بعضها بعضا. وفجأة، أصدرت محكمة التمييز الجزائية، أخيرا، قرارا بكفّ يد المحقق العدلي، القاضي فادي صوان، في جريمة المرفأ، وأحالت الملف إلى قاضٍ آخر! لماذا، وكيف حصل ذلك، وما علاقة "حزب الله" بالأمر؟
فجّر قرار المحكمة الشارع، وأدى إلى تصاعد الاتهامات، وازداد الضغط الدولي لكشف الفاعلين ووضع حدٍّ لسياسة الإفلات من العقاب، كما جاء في موقف صادر عن الاتحاد الأوروبي، تبعته رسالة موجهة إلى الرئيس الأميركي، جو بايدن، موقعة من جمهوريين وديمقراطيين، يتقدّمهم رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس، تشير إلى أن لقمان سليم هو معارض لحزب الله. وتطالب بعدم السكوت على الجريمة، وبتطبيق عقوبات "قانون ماغنيتسكي" على "من هو متورّط من مسؤولين في حكومتي لبنان وإيران" في اغتيال الناشط، صاحب دار النشر اللبنانية المميزة "دار الجديد".

رفض سياسيون المثول أمام القاضي بصفة متهمين، وتسلحوا بالحصانة النيابية التي تفرض على القاضي الطلب إلى مجلس النواب رفع الحصانة عنهم

قبل أكثر من شهرين، أقدم المحقق على وضع لائحةٍ بأسماء مجموعة من السياسيين للتحقيق معهم، بينهم رؤساء حكومات سابقون ونواب ووزراء حاليون وسابقون ومسؤولون إداريون وأمنيون، وباشر باستدعاء رئيس الحكومة الحالي، حسّان دياب، الذي استقال بعد أيام من حصول كارثة المرفأ، وهو اليوم يقوم بتصريف الأعمال، وثلاثة وزراء سابقين ولكنهم نواب، ويتمتعون بالتالي بحصانة نيابية، ينتمي اثنان منهم إلى حركة أمل التي يترأسها نبيه بري، وينتمي الثالث إلى تيار المردة الذي يتزعمه سليمان فرنجية. رفض هؤلاء المثول أمام القاضي بصفة متهمين، وتسلحوا بالحصانة النيابية التي تفرض على القاضي الطلب إلى مجلس النواب رفع الحصانة عنهم، لكي يتسنى له التحقيق معهم. ويحتاج قرار رفع الحصانة ثلثي أصوات النواب كي يصبح ساري المفعول. وبطبيعة الحال، رفض برّي، من موقعه رئيسا للبرلمان، طرح المسألة على التصويت، وقدّم النواب الاثنان المتهمان من كتلته، بصفتهما محاميين، اعتراضا أمام المحكمة على تعيين القاضي في بند ما يسمى في القانون "ارتياب مشروع"، مطالبين بسحب الملف منه، وكان هذا أول إنذار للقضاء من السلطة السياسية، وتحديدا فريق الممانعة.
عندها جمّد القاضي التحقيق، بانتظار قرار المحكمة الذي طال انتظاره إثر تباين في وجهات النظر بين أعضائها القضاة. وإذا كان الوزيران السابقان للمال والأشغال متهمين بالإهمال الوظيفي أو بالتقاعس، فإن أصابع الاتهام توجه بشكل أساسي ومباشر إلى حزب الله، كونه يسيطر عمليا على حركة المرفأ، كما يتردد. وزاد من هذه الشكوك ما كشفته صحف بريطانية ومحطات لبنانية من معلوماتٍ عن تورّط رجال أعمال سوريين مقرّبين من النظام في استئجار باخرةٍ عبر شركة وهمية مسجلة في لندن لشحن مادة الأمونيوم إلى بيروت، ومن ثم تكفل حزب الله، بحسب بعض وسائل الإعلام، بنقلها إلى دمشق، كي يستخدمها نظام الأسد في البراميل المتفجرة ضد السوريين. وفي ما بعد، عرض لقمان سليم، عبر إحدى القنوات العربية، معلومات ودعّمها بوقائع وتواريخ، وربط بين وصول الأمونيوم إلى مرفأ بيروت في خريف 2013 ولجوء الأسد، بعدها بأسابيع، إلى بدء إلقاء البراميل المتفجرة، جازما أن المايسترو هو حزب الله.

أثبت نصرالله أن القضاء اللبناني بات مغلوبا على أمره أمام رهبة السلاح وسطوته، مقابل صمت وتخاذل كل فريق السلطة

وفي الأسبوع الماضي، استأنف قاضي التحقيق عمله، وأصدر قرارا بتوقيف أحد الوزراء السابقين، وبإحضار آخر إلى التحقيق متهما، وتبعت ذلك شائعاتٌ عن احتمال توقيف سياسيين آخرين وضباط في الجيش، غير أن اللافت والمفاجئ إصدار استنابات جلب بحق رجال الأعمال السوريين المتهمين بترتيب عملية الشحن، وكلها خطوات لم يجرؤ عليها أحد من قبل. فجأة، وفي اليوم نفسه، تصدر محكمة التمييز قرارها بكفّ يد القاضي. لماذا؟ قبل أيام، أطل نصرالله بخطاب يشوبه الإرباك والتوجس، مثقلا بردود الفعل على اغتيال سليم المتعدد المواهب والطاقات، وينتمي إلى الطائفة الشيعية، وقد تم تشييعه ودفنه في قلب الضاحية الجنوبية، على بعد مئات الأمتار من مقر حزب الله. وقد نفى نصرالله أي تورّط لحزبه في الجريمة، متسلحا بمقولة إن "المتهم بريء حتى تثبت إدانته.. فيما نحن مدانون حتى نثبت براءتنا". وشكا نصرالله من أنه يتم دوما اتهام حزبه بكل الجرائم التي تحصل، ولم يسمِّ لقمان بالاسم ولم يُدن الجريمة. ودعا إلى عدم استباق التحقيق. وحزب الله، في المقابل، لم يقدم على تسليم أي مدان أو متهم لا إلى القضاء اللبناني، ولا إلى القضاء الدولي، سواء في جريمة اغتيال رفيق الحريري أو في جريمة قتل الضابط سامر حنا أم في محاولة اغتيال الوزير والنائب السابق بطرس حرب، وغيرها من الجرائم السياسية.
الأهم والأخطر في ما قاله نصرالله، وهنا بيت القصيد، إعلانه أن التحقيق في تفجير المرفأ قد انتهى (علما أنه في بدايته)، وراح يسترسل في شرح مسألة التعويضات التي على شركات التأمين أن تدفعها للمتضرّرين. وهنا حاشية: وماذا عمن ليس لديه تأمين، من الفقراء وآخرين كانوا يعملون في المرفأ أو كانوا يمرّون بالمصادفة من هناك؟! ما أراده نصرالله محاولة لتثبيت فرضية أن التفجير حادث قضاء وقدر، أو نتيجة خطأ بشري، أو إهمال وظيفي، وليس نتيجة عمل إرهابي أو تفجير متعمد أو اعتداء خارجي أو حرب. وفي هذه الحالات الأخيرة، لا تُلزم شركات التأمين نفسها بدفع أي تعويض! وفي مطلق الأحوال، فقد تمكّن نصرالله أقله من إزاحة القاضي صوّان الذي تجرأ على الطبقة السياسية بدون استثناء، ووسّع تحقيقه إلى أذرع النظام السوري الحليف وسماسرته. وأثبت نصرالله أن القضاء اللبناني بات مغلوبا على أمره أمام رهبة السلاح وسطوته، مقابل صمت وتخاذل كل فريق السلطة الذي تكاتف في وجه صوّان، وترك لحزب الله أن يواجهه ويسحب منه ملف التحقيق، وربما لفلفته! ولكن هل اغتيال لقمان هو أيضا قضاء وقدر؟ أم أنه نتيجة حادث سير مؤسف على إحدى طرقات الجنوب، حيث السيطرة والنفوذ والهيمنة لحزب الله وسلاحه؟

يسعى حزب الله إلى إعادة صياغة النظام، وفرض "المثالثة" بدل المناصفة، كي تصبح التركيبة قائمةً على توازن ثلاثي دقيق وهش بين المسيحيين والسنة والشيعة

وعلى الرغم من إحكام قبضته على القرار والتحكّم بالمسار القضائي، فإن حزب الله يخشى من أن يتم تدويل الأزمة جرّاء التأييد المتصاعد الذي تلقته دعوة البطريرك الراعي إلى عقد مؤتمر دولي تحت رعاية الأمم المتحدة من أجل دعم سيادة لبنان واستقلالية قراره، وبالأخص التأكيد على التزام الجميع بالدستور ووثيقة الوفاق الوطني (مؤتمر الطائف) التي تحمي صيغة العيش المشترك ومسألة المناصفة في التمثيل بين الطوائف، في وجه طرح مؤتمر تأسيسي جديد يسعى حزب الله إلى تسويقه لإعادة صياغة النظام، وفرض "المثالثة" بدل المناصفة، كي تصبح التركيبة قائمةً على توازن ثلاثي دقيق وهش بين المسيحيين والسنة والشيعة. ويلاقي طرح البطريرك وليد جنبلاط وسعد الحريري وسمير جعجع وسامي الجميل، أي معظم القوى السياسية، فيما يلتزم نبيه برّي الصمت، ويغرق التيار الوطني الحر (ميشال عون) في إرباك كبير. وبدأ هذا الطرح يلاقي تأييدا في الخارج، من خلال المواقف الواضحة من فرنسا والاتحاد الأوروبي عموما، ومن خلال مؤشرات أميركية منشدّة الآن إلى كيفية مقاربة المفاوضات مع إيران. والأهم من ذلك كله التأييد الشعبي، إذ بدأت وفود شبابية من مختلف الطوائف تتوجه إلى البطريركية المارونية لتعبر عن تأييدها خطوة البطريرك الراعي.