في رسائل مسيرة "النهضة" التونسية

01 مارس 2021
الصورة

مسيرة حاشدة داعمة لشرعية الحكومة والبرلمان نظمتها حركة النهضة في العاصمة (27/2/2021/Getty)

+ الخط -

لم تقم حركة النهضة التونسية، منذ الثورة، بتعبئة لمسيرة، مثلما فعلت مع مسيرة أول من أمس (27 فبراير/ شباط). نزلت بكل ثقلها، وظلت أكثر من أسبوعين تدعو أنصارها إلى النزول إلى الشارع. قبل ساعات من انطلاقها، أصدرت بياناً تدعو فيه إلى الالتحاق بالمسيرة دفاعاً عن الديمقراطية ومسار الانتقال الديمقراطي ومؤسسات الدولة. وتولت آلاف من الصفحات الموالية لها دعوة أبناء "النهضة" إلى دعم المسيرة وإنجاحها. كما سعت الحركة إلى توفير وسائل النقل، حتى يلتحق أنصارها من مختلف جهات تونس بالمسيرة. وتسربت إلى مختلف وسائل الإعلام محاولتها تسويغ قطار ينطلق من مدينة قابس الجنوبية إلى العاصمة، ولأسباب عديدة لم تلب الشركة هذا المطلب. وهذه من المرّات القليلة التي يتولّى فيها رئيس الحركة رئيس مجلس النواب، راشد الغنوشي، الدعوة، بشكلٍ شخصيٍّ ومباشر، إلى هذه المسيرة التي جاءت في سياق ما تمرّ به تونس، على خلفية المأزق الدستوري، منذ رفض رئيس الجمهورية، قيس سعيد، قبول الوزراء أداء اليمين أمامه، بعد التحوير (التعديل) الذي أجراه رئيس الحكومة، وهذا من صميم اختصاصاته. وقد انقطعت الصلة، منذ أكثر من شهرين، بين رئيسي الجمهورية والحكومة من جهة، ورئيسي الجمهورية والبرلمان من جهة ثانية. وصدرت عن مختلف الرئاسات تصريحاتٌ متوترة، ألقت مزيداً من الزيت على لهيبٍ يهدّد بالتهام ما تبقى من أخضر في بلادٍ على حافة هاوية الإفلاس، حسب تصنيف مؤسسة وكالة للتصنيف الائتماني "موديز" التي وضعت تونس في خانة 3، وهو تصنيف لا يكتفي بأن يعدّد مؤشرات البلاد السلبية، بل يجعل الأفق ذاته سلبياً ومعتماً.

كان حضور الغنوشي الرسالة الأهم في حدث المسيرة، ما يجعل هتافات حناجر الأنصار ثانوية

في هذا المناخ السياسي والاقتصادي الخانق، تخرج "النهضة" إلى الشارع، وتستعرض قوتها التنظيمية الهائلة في حشد أنصارها ضمن مسيرةٍ محكمة التنظيم، لم تتخللها أي أعمال شغب. وكانت الرسائل فيها متعدّدة، غير أن أبلغها تلك التي تم تصدح بها أفواه أنصار الحركة، وهم يجوبون شارع محمد الخامس. وقد ألقى الغنوشي كلمة في الجموع الهادرة، حرص فيها على تجنب أي تلميح إلى الرئيس سعيد، وأكد أهمية الوحدة الوطنية وضرورة الاحتكام إلى العقل والحكمة واستبعاد مشاعر الضغينة والكراهية، ووجه الدعوة إلى زعيم حزب العمال، حمّة الهمامي، إلى الالتحاق بالمسيرة وإلقاء كلمة فيها، فيما كان الهمامي، في اللحظة نفسها، يقود مسيرةً موازيةً، لا تبعد سوى مئات أمتار عن مسيرة "النهضة" هذه، وهو الذي تعرّض إلى حملة من النقد اللاذع، لاختيار هذا اليوم بالذات، لتنظيم مسيرة حزبه بشكل منفرد، فبدت في سياق مقارنةٍ فرضها الهمامي، بخياراته تلك، ضعيفة وباهتة.
كان حضور الغنوشي الرسالة الأهم في حدث المسيرة، ما يجعل هتافات حناجر الأنصار ثانوية، لا سيما إذا تم فصلها عن النص المتن، أي الغنوشي، المبتدأ والخبر. وقد تعرّض الرجل، خلال الأشهر الأخيرة، إلى جملة من محاولات تقزيم وإهانات كثيرة وكثيفة من خصومه الحزبيين، بل تحوّلت جلسات البرلمان التي يتم نقلها مباشرةً عبر التلفزة الوطنية ساعات طويلة إلى جلسات جلد وسلخ له. فقد الرجل الكثير من هيبته وهو في هذا العمر (70 عاماً)، لكنه أبان قدرة هائلة على تحمّل الأذى والصبر. ولم تتوقف الحملات عند هذا الحد، بل صدرت تصريحات عديدة من مختلف إخوة محنة الماضي ممن خرجوا عن الحركة في الأشهر الأخيرة، تشكّك في شرعيته وسلامة خياراته وصواب قراراته في مسائل كثيرة، حتى بدا الرجل، في مواقع كثيرة، مستبداً يستحوذ على مفاصل حركة النهضة ومواقع القرار فيها. ولا تجد مثل هذه المؤاخذات صدىً لدى كثيرين من أبناء الحركة الذين امتعضوا من تصريحات كهذه، واتهموا قياديين سابقين بالخطاب المزدوج، فما كان هؤلاء ليتجرأوا على النقد، لو ظلوا في مواقع متقدمة، يتمتعون بامتياز المناصب القيادية تلك.

ستثير مسيرة 27 فبراير ردود أفعال مختلفة، لكنها لن تكون العصا السحرية لحل جبال الخلافات والأزمات التي تعصر تونس

وقد سعت مسيرة السبت إلى أن تعيد للغنوشي المكانة التي بدأ يفقدها داخل الحركة، وفي الساحة الوطنية السياسية أيضاً، خصوصاً أن سهام النقد المباشر قد طاولته من رئاسة الجمهورية في أكثر من مناسبة، بل لم يتورع قيس سعيد عن تقريعه، وقد تولت التلفزة الرسمية، في تقليد هو أشبه بما يجري في تلفزة كوريا الشمالية، نقل تلك الوقائع.
لن تكون حركة النهضة كما كانت عليه سابقاً بابتعاد مؤسسها وزعيمها، راشد الغنوشي، وهي إذ تدافع عنه، فإنها تدافع عن نفسها من محاولاتٍ تستهدفها. علينا أن نقرّ بأن في ذلك كثيراً من النقد السياسي الصادر عن فرقاء يختلفون معها، غير أنه لا يمكن نكران أن في ذلك أيضاً بقايا استئصال ما زال يشكل ثقافةً سياسيةً لدى أوساط عديدة ترفض أن يكون بينها وبين "النهضة" أي مشترك، حتى ولو كان لنا دستور حسم قضايا خلافية عديدة... مسيرة 27 فيفري (فبراير) كانت مسيرة راشد الغنوشي. ستثير ردود أفعال مختلفة، لكنها لن تكون العصا السحرية لحل جبال الخلافات والأزمات التي تعصر تونس.