في استعادة عشر سنوات على الربيع العربي

29 ديسمبر 2020
الصورة
+ الخط -

جرت مياه كثيرة في أنهار البلاد العربية، منذ انطلقت أولى ثورات الربيع العربي في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2010 في تونس، لكن المؤكّد، على الرغم من كل ما جرى، أن الأمر لم ينته بعد من الناحية التاريخية، ولم تتجاوزه أمتنا ليصبح من الماضي، وما يزال المستقبل القريب مفتوحاً على احتمالاتٍ كثيرة، ما يعني أن علينا استخلاص العبر مما جرى من دون إبطاء، آخذين بالاعتبار ما درجت عليه سُنّة التاريخ، أن الثورات ربما ترجع خطواتٍ إلى الوراء، لكنها تنجز أغراضها في آخر الأمر، طال وقتها أو قصر.
وأهم ما يمكن استخلاصه من ثوراتنا، المجيدة حقاً هذه المرّة، لأنها ثورات الشعوب على الظلم والاستبداد والاستعباد والعمالة للأجنبي، وليست ثورات عسكر تتذرّع بالإرادة الشعبية من أجل القفز على السلطة، كما جرت العادة في ثورات النصف الثاني من القرن العشرين التي نالت لقب "مجيدة" في الدعايات الرسمية من دون وجه حق، أهم ذاك، أن من غير المنصف، ولا المفيد، التسليم بحصر الصراع السياسي في بلادنا العربية على شكل مواجهةٍ بين التسلط باسم حماية الدين، المتمثل خصوصاً في التيارات السلفية، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون، والتسلط باسم حماية النظام العام والأمن الوطني، المتمثل بالعسكر الذين قبضوا على السلطة منذ تأسيس الدول العربية المعاصرة، وهي الصورة التي صبغت الجولة الأولى من ثورات الربيع العربي التي امتدّت على مدار سنوات العقد الأخير، ففي أيٍّ من حالتي التسلّط لن تبلغ الشعوب مبتغاها بالتخلص من الظلم والاستبداد، أي في الانتقال من طبيعة حكمٍ مرفوضةٍ إلى طبيعةٍ جديدة، تحقق تطلعات الشعوب وتبني دولة المستقبل.

ثوراتنا ثورات الشعوب على الظلم والاستبداد والاستعباد والعمالة للأجنبي، وليست ثورات عسكر تتذرّع بالإرادة الشعبية من أجل القفز على السلطة

انشغلت الثورات الشعبية العربية، عند انطلاقها، بـ"من يحكم"، عوضاً عن الانشغال بتغيير طبيعة الحكم، فقد أرادت قطاعات واسعة من الشعوب الثائرة العودة إلى الدين، وكان هذا كل همها، لا تغيير نمطية الحكم، معتقدةً أن هدف الثورة السعي إلى إحلال مجموعة حكم جديدة محل مجموعة الحكم القديمة، ولو بأدواتٍ وممارساتٍ قد تتشابه مع أدوات الأنظمة المخلوعة وممارساتها إلى حد بعيد. ولهذا، لم تتطرّق الثورات على مدار سنواتها الأولى، لا منذ انطلاقتها وحسب، إلى المطالبة بتغيير أدوات الحكم وممارساته، من دون النظر إلى هوية من يحكم. وعلى سبيل المثال، لم يكن المحتجّون في ميدان التحرير في القاهرة على حكم الإخوان المسلمين، في يناير/ كانون الثاني من العام 2013، معنيين بتغيير أدوات الحكم، بل بتغيير "من يحكم" وحسب؛ وقد رفعوا شعار الثورة ذاته "الشعب يريد إسقاط النظام"، مطالبين برئاسةٍ جديدةٍ تنتمي للتيار المدني، عوضاً عن التيار الديني. وهكذا أدّى استمرار الخلاف بين مجموعتين سياسيتين في مصر يومها؛ إحداهما تستند إلى الخطاب الديني، والأخرى إلى المدني، عوضاً عن البحث في المشكلة السياسية الحقيقية التي تهدر موارد البلاد وطاقاتها وتخرّب حاضرها ومستقبلها، المتمثلة بطبيعة الحكم وآلياته، إلى عودة العسكر للسلطة في نهاية المطاف، واستعادة دولة الاستبداد وتبخّر أحلام الثورة.

لم يكن المحتجّون في ميدان التحرير في القاهرة على حكم الإخوان المسلمين، في يناير  2013، معنيين بتغيير أدوات الحكم، بل بتغيير "من يحكم" وحسب

ويخطئ من يعتقد أن "الثورات المضادّة" التي عرفتها بلدان الربيع العربي، من التشكيلات الصامتة التي باتت تُعرف بـ"الدولة العميقة"، هي السبب في عدم نجاح الثورات. الأقرب إلى الدقة أن تلك الثورات المضادّة لم تكن لتنجح لو وجدت من الشعوب الثائرة دفاعاً عن ثوراتها، وعدم انسياق وراء الدعاية المضادّة للثورة التي نفّذتها "الدولة العميقة"، بالتعاون مع أدواتها في وسائل الإعلام. والصورة التي لا تغيب عن البال هنا ردّة فعل الشعب التركي التي أفشلت المحاولة الانقلابية العسكرية على حكومة أردوغان في يوليو/ تموز من عام 2015، فهي ببساطة تدفع إلى المقارنة بين دفاع الأتراك عن حكم تيار ديني منتخب، مقابل عدم دفاع المصريين عن حكم تيار ديني منتخب هو الآخر. ولعل الفارق البسيط بين العرب والأتراك، في هذه المرحلة الصعبة والحرجة من تاريخ العرب، أن انحياز الشعوب العربية، عند اختيارها تيارا دينيا لتسلم السلطة، ليس انحيازاً لذاتها؛ أي لحياتها المُعاشة ومصالحها الحاضرة، وإنما هو انحيازٌ من ذاك النوع الذي لا يتجاوز صندوق الاقتراع، ولا يمكن أن يكون ملحوقاً بالدفاع عنه وحمايته والتضحية لبقائه، فهو انحيازٌ لحياةٍ آخرةٍ غير معاشة، غرضه إراحة الضمير الديني بانتخاب تيار ديني. ولمّا كان ذاك الانتخاب يريح الضمير حقاً فإنه لا يُبقى مكاناً لتضحيةٍ من أجل بقاء المُنتخب وحمايته والدفاع عنه، كما فعل الأتراك الذين كانوا يدافعون عن حياتهم المعاشة بوجود أردوغان، وذاك دافعهم لانتخابه، لا من أجل حياة أخرى بعد الموت.

الثورات المضادّة لم تكن لتنجح لو وجدت من الشعوب الثائرة دفاعاً عن ثوراتها، وعدم انسياق وراء الدعاية المضادّة للثورة التي نفّذتها "الدولة العميقة"

وليس سرّاً أن الفرق بين الحالتين يرجع إلى غياب البنى المدنية والثقافة المدنية عن المجتمعات العربية التي كانت ستضمن حماية الثورات والدفاع عن أفكارها وآمالها ورؤاها. والمعنى أن ثورات "الربيع العربي" قامت في لحظةٍ بلغ ضيق الشعوب العربية بالظلم والقهر والاستبداد والتمييز حد الانفجار، ولكن من دون أن تتوفر على ثقافة مدنية حديثة، تمكّنها من استكمال ثوراتها نحو الحرية والديمقراطية والعدالة، فانحصر تفكيرها بهوية من يحكم، وبقيت تدور في حلقة مفرغة دفعت ثمنها غالياً. والثقافة المدنيّة تُكتسب ولا تُمنح من أنظمة تعتاش على غيابها، عسى أن يكون في كل ما جرى درساً قاسياً لا يُنسى، يسقي نبتة الثقافة المدنية، ويدفع إلى التخلي عن الانحيازات العصبية، دينياً وطائفياً وقبلياً، تستخلصه أجيالٌ جديدةٌ من الثائرين، تُنجز ما لا يمكن لأمتنا البقاء في التاريخ من دون إنجازه.