في استعادة "5 حزيران"

في استعادة "5 حزيران"

10 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

الباحث عن أمل لمستقبله وكرامته في هذا التخبط والضياع العربي المستمر منذ نحو قرن لا بد أنه تعلق بانتفاضة حي الشيخ جرّاح، الشعبية السلمية لأهالي القدس، لأهالي فلسطين من قلب فلسطين، الذين سجلوا سابقة تاريخية في سجل نضال الشعب الفلسطيني ترعب إسرائيل، وتؤشّر إلى الطريق الحقيقي والأنجع لاستعادة وطنهم وحقوقهم وحريتهم. ولكن هل هذا يكفي، وكيف يمكن البناء عليه وتحصينه وحمايته ممن حاولوا وسيستمرون في العبث به وتوظيفه في صراع مصالح ما فوق فلسطينية، مصالح إقليمية بين دولة الاحتلال ودولة إقليمية أخرى غير عربية، باتت تسيطر على قرار دول عربية تحيط بفلسطين. تماما كما حصل بالأمس في "حرب صواريخ غزة" التي خاضتها تنظيمات فلسطينية لصالح طهران، وعلى حساب دم الفلسطينيين وتضحياتهم. وهل معركة فلسطين ليست متزامنة مع معركة تحرر المواطن العربي؟ وهل لنا أن نراهن على بارقة الأمل هذه، أم أن الماضي لن يمضي بمآسيه ودروسه المهدورة؟
كنا تلاميذ في الشهادة المتوسطة يوم وقوع نكسة 5 حزيران/ يونيو، وكان وعينا قد بدأ يتبرعم، لكنه لم ينضج بعد، غير أن البيئة التي نشأنا وترعرعنا فيها "سيستنا"، وفتحت أعيننا وصوبت حماستنا نحو قضية فلسطين، حيث كان يقصدها أهلنا في رحلاتٍ إلى القدس قبل الاحتلال عام 1967، فكنا نتابع ما تيسر من أخبار. وصباح 5 حزيران1967 وفيما نحن في الطابور متوجهين إلى الصفوف، سمعنا المدرسين يتداولون أخبار الحرب، وكيف أغارت إسرائيل على سلاح الجو المصري، ودمرته على أرض المطار. دفعنا فضول بعضنا إلى التسلل الى غرفة الناظر، بحثا عن راديو لتقصي الأخبار من إذاعة عرفنا في ما بعد أنها "صوت العرب من القاهرة".. وكانت أخبار هذا المذياع الذائع الصيت تسرد أخبار "الانتصارات على العدو الصهيوني" على مختلف الجبهات، وسقوط طائراته كالعصافير، وصوت الرئيس جمال عبد الناصر يدغدغ عواطفنا ويرفع في نظرنا من صورة القائد العربي الشجاع الذي سحر "الجماهير العربية" من المحيط إلى الخليج، إلى أن جاءت الهزيمة سريعة ساحقة ماحقة!

الماضي لا يزال يرخي بظلاله على الحاضر. وندوب الأنظمة البعثية والقومية، العسكرية والاستبدادية، ما زالت ماثلة في الجسم العربي

حزنّا لخسارة مصر وجيشها، نحن الشبان الذين كان همنا البحث عن "بطل" والتمثل به، كما كان عبد الناصر، غير مدركين ما عنته وستعنيه هذه الهزيمة من مضاعفات على الواقع السياسي والمعنوي للدول والشعوب العربية، وعلى جيل الهزيمة ووجدانه، ولعقود على مستقبل أجيال بكاملها. وجاء قرار عبد الناصر بالاستقالة اعترافا منه بالهزيمة، ليزيد من غضبنا، لأن "البطل" لا يقهر، وليزيد أيضا من تعلق بعضنا به، فيما اختار بعضنا الآخر لاحقا الفكر اليساري الماركسي.
وقبل الهزيمة، كانت نكبة 1948 التي أسّست للنزوح الفلسطيني، ثم التهجير والتشرّد نحو الدول العربية المجاورة، وإلى أربع أصقاع الأرض. وتوالت بعدها الهزائم لتتكرر وتصبح متلاحقة، من أيلول/ سبتمبر 1970 في الأردن إلى حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، ثم اجتياح لبنان عام 1982 واحتلال الجيش الإسرائيلي عاصمة عربية، واستمرار احتلاله جنوب لبنان نحو عقدين إلى غاية عام 2000. كما شهد لبنان في يوليو/ تموز 2006 أقسى حرب شنت عليه ودمرت اقتصاده، وقضت على معظم بناه التحتية، وما زال يدفع ثمن مضاعفاتها.
أين نحن اليوم بعد أكثر من خمسة عقود؟ أحسن حالاً أم أسوأ؟ الماضي لا يزال يرخي بظلاله على الحاضر. وندوب الأنظمة البعثية والقومية، العسكرية والاستبدادية، ما زالت ماثلة في الجسم العربي، وقد تحكّمت به طوال الخمسين سنة التي تلت الهزيمة. بعد مصر، استولت تلك الأنظمة على السلطة في سورية والعراق وليبيا والسودان "لمحو آثار العدوان" باسم القومية والعروبة، وبحجّة تحرير فلسطين، على اعتبار أن "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، حتى أن ثورات الربيع العربي التي انفجرت بعد نحو أربعة عقود، بما هي انتفاضات شعبية، لم تتمكّن من التخلص بالكامل من طغيان هذه الأنظمة، فمنها ما سقط فعلا، ومنها ما صمد ولم يسقط، ومنها ما تم إنقاذه، وهبّت جيوش إلى حمايته من ثورة شعبه، مثل بشار الأسد، وأصبحت سورية اليوم مقسمة، تحتلها خمسة جيوش أجنبية.

ربما ستنجح السلطة في إيران في فك العقوبات عنها، وتعزيز نفوذها وترسيخه عربيا وإقليميا، وبالتالي في إعادة الشعوب العربية تحت حكم أنظمة أكثر فتكا واستبدادا وظلامية

من أهم مآثر تلك الانظمة في سنواتها الأخيرة العمل على تفكيك المجتمعات المنتفضة عبر إغراقها بالتعصب الديني والمذهبي، وبالعنف والاقتتال الداخلي والحروب، التي حلّت محل شعار المواجهة مع إسرائيل. وقد تولت هذه المهمة اليوم إيران الخمينية وغير العربية التي هيأت المناخ لتفريخ تنظيمات إسلاموية أصولية وتكفيرية وظلامية، مثل "داعش" وجبهة النصرة وغيرهما، والتي نجحت في تحويل ربيع السوريين والعراقيين إلى كوابيس، فيما ليبيا تمزّقها التنظيمات والفرق والمليشيات الإسلامية والأصولية والجهوية والعبثية المسلحة. أما اليمن، فأضحى فريسة تجنيد طهران الحوثيين وضحية صراعها مع السعودية، في مقابل سعي الملالي إلى التغلغل إلى الداخل الفلسطيني، عبر محاولة حركتي حماس والجهاد الإسلامي استغلال ضعف محمود عباس وعزلته، لإبعاده عن رئاسة السلطة الفلسطينية، والإمساك بزمام القرار الفلسطيني، سواء من خلال الانتخابات، وهذه من بين أسباب مهمة دفعت أبو مازن إلى إلغائها، أو بتعديل موازين القوى على الأرض كما حصل في قطاع غزة عام 2007. وها هو حزب الله يفرض سيطرته على القرار في لبنان، يدير اللعبة الداخلية ويمسك العصا من الوسط، ويجمع الأضداد في حضنه، بانتظار مفاوضات فيينا حول العودة إلى الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وايران. والأهم من ذلك كله أن حزب الله كان من أشد المناهضين لانتفاضة أكتوبر 2019، ووقف أمينه العام حسن نصر الله مدافعا عن السلطة بكل قوة وحزم. وكان قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني قد أعلن، غداة الانتخابات النيابية التي جرت في لبنان ربيع 2018، أن بلاده باتت تسيطر على الأغلبية في مجلس النواب اللبناني. صحيحٌ أن اغتيال سليماني في بداية 2020 عقد الأمور في العراق، ولكنه لم يغير في واقع الأمر شيئا في لبنان والبلدان الأخرى. وهذا علي رضا زكاني، رئيس مركز الأبحاث في البرلمان، وصاحب مقولة "إيران أصبحت تسيطر على أربع عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء"، يترشح للانتخابات الرئاسية الإيرانية التي ستجري في الثامن عشر من شهر يونيو/ حزيران الحالي. وكان وزير الدفاع الإيراني، العميد حسين دهقان، قد سبق سليماني، عندما أعلن بصراحة متناهية أن "العراق أصبح جزءا من الإمبراطورية الفارسية، ولن يعود دولة عربية، وعلى العرب الذين يعيشون فيه أن يغادروه إلى صحرائهم القاحلة التي جاؤوا منها... وعلى حكام السعودية والخليج أن يتذكّروا مصير صدام حسين"؟! لذلك، ربما في النهاية ستنجح السلطة في إيران في فك العقوبات عنها، وتعزيز نفوذها وترسيخه عربيا وإقليميا، وبالتالي في إعادة الشعوب العربية تحت حكم أنظمة أكثر فتكا واستبدادا وظلامية من سابقاتها.
يعيش المواطن العربي اليوم بين نار الداخل ونار المحيط ونار الإقليم، وهذا يذكّرنا بما قاله الشاعر محمود درويش: "أينما وليت وجهك كل شيء قابل للانفجار". .. لا يحتاج العربي زعماء أو قادة ملهمين أو أبطالا، ولا إلى تعبئة ديماغوجية حول "قضايا كبرى"، بل إلى "قضايا صغرى"، مثل قيام دولة القانون والمؤسسات، دولة تحترم مواطنيها، وتعاملهم كمواطنين، ولكن أن يتصرّفوا هم في المقابل باعتبارهم مواطنين يقاتلون من أجل حريتهم، وحقوقهم، وكرامتهم.