عن خطر الاحتكام إلى الشارع في تونس

15 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

تتصاعد حدّة التوتر بين رئاستي الحكومة والجمهورية في تونس، حتى أصبحت تصريحات قصرَي القصبة وقرطاج لاذعة، بل سامة، بينما تتهاوى مؤشرات الخدمات الاجتماعية ومستوى العيش في البلاد. في هذه المناخات، التقى الرئيس قيس سعيد نوابا من مجلس الشعب، اختارهم على مزاجه، ولم يعد إلى البرلمان ولا إلى رؤساء الكتل ولا إلى أحزابهم، على خلفية أزمة رفضه قبول أداء الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه، بتعلّة شبهة فساد بعضهم لديه، وقد نالوا ثقة البرلمان منذ نحو شهر. وفي اللقاء، ضرب رئيس الجمهورية، كالعادة، بالمعايير والنواميس التي يفترض أن تكون سارية بين مؤسسات الحكم عرض الحائط. ونقلت التلفزة الرسمية مباشرة خطبته أمام نوابٍ لم نسمع لهم صوتا، وهي عادة دأب عليها رئيس الجمهورية في ما يشبه "توجيهات السيد الرئيس" التي كانت التلفزة التونسية، في سبعينيات القرن الفارط، تنقلها، حينما كان الرئيس الحبيب بورقيبة يعتقد أنه "يربّي مجتمعه". غير أن سعيد لن يتمكّن من استعادة تلك التقنية، فهو لا يملك مشروعية بورقيبة ولا كاريزماه. فضلا عن أن مشهد التلفزة الواحدة والوحيدة (مدرسة الشعب المطيع) اختفى في مجتمع يعجّ مشهده الإعلامي بمئات الفضائيات، فضلا عن الشبكات الاجتماعية للتواصل.

تعيش ديمقراطية تونس أسوأ لحظاتها. حتى الاغتيالات وأقسى الضربات الإرهابية لم تنل من قيمها أو إيمان الناس بها

كان الخطاب عنيفا مقرّعا مستفزّا للجميع، نحتفظ منه بجملة يتحفنا بها الرئيس كلما خطب في أشخاصٍ يحيلهم، في حضرته الوهاجة، إلى بُكم. تُصيبهم التلفزة، أو على الأصح رئاسة الجمهورية، بخرسٍ فظيع. الجملة "الشعب من أمامكم، وأنا واحد منه، والدستور من ورائكم، فأين المفر؟". بعد أقل من أربع وعشرين ساعة، يجيبه رئيس الحكومة الذي كان قد اختاره هو قبل نحو ستة أشهر: "لن أستقيل.. ولست جنديا يفرّ من جبهة المعركة"، وهي جملة قالها الرئيس الراحل، الباجي قائد السبسي، في إحدى المحن التي مر بها، والبلاد تغلي قبل انتخابات المجلس التأسيسي سنة 2011. وربما ستكون "لن" الزمخشرية هذه قطرة زيتٍ يُسكب على كرة اللهب التي يتبادلها الرجلان، وكلما ظننا أننا على وشك إطفائها سكب رئيس الجمهورية عليها مزيدا من الزيت، فرد عليها ضحاياها بما يضاهيها أو أكثر.
تعيش ديمقراطية تونس أسوأ لحظاتها. حتى الاغتيالات وأقسى الضربات الإرهابية لم تنل من قيمها أو إيمان الناس بها. بل نسي الفرقاء، إبّانها، صراعاتهم ولو إلى حين، ليلتفّوا حول الديمقراطية، على الرغم من حفلات شواء أصرّ على توضيبها الإعلام منتصرا إلى هذا المخيم أو ذاك. كان الحطب يُرمى من كل صوب، غير أنه، في كل تلك الجبهات، كان هناك شيء من الحكمة، أو ما يسميه التونسيون "شاهد العقل"، أي الحكمة التي تحضر متأخرة. وقد أشار منصف المرزوقي، مرة، وكان رئيسا للجمهورية، إلى هذه الخصلة التونسية الخالصة، حين ذكر أن التونسيين يضيّقون الخناق على بعضهم بعضا، ثم ما أن يروا الهاوية يعود إليهم رشدهم، أي "شاهد العقل" هذا. ولكن التونسيين، هذه المرّة، يعجزون عن تبيّن تلك الهاوية. ولربما وقعوا فيها، ولا أحد أيقظ فيهم العقل. تركوا السياسة إلى الأمزجة والأهواء، وحتى إلى أكثر الشهوات غرابة ووحشية. .. ثمّة من يردّد "اضرب فإنه ما زال يتنفس"، للدلالة على مغبة أن تأخذنا الشفقة أو الرحمة بالضحية.. علينا أن نذهب إلى الآخر في جريمة القتل بكل سادية متوحشة. هذه المرّة، يبدو أن التونسيين يبدّدون، بعبثية، قيم الديمقراطية، حتى لا يؤمن بها أحد.

كان المتمنّى أن تكون صناديق الاقتراع ما يُحتكم إليها لفضّ النزاعات وحسم الصراعات والخيارات

في مناخات الصراع الحاد والسافر، والذي يمزّق حتى أردية الحياء الأدبي بين الحكام، تصدر دعواتٌ عن الأحزاب إلى استعمال الشارع لحسم المعركة، فقد دعا المكتب التنفيذي لحركة النهضة مناصريه إلى النزول إلى الشارع، السبت المقبل، دفاعا عن الديمقراطية ومؤسسات البلاد، فيما حكومة هشام المشيشي وضعها الرئيس أمام خيارين، سحب الوزراء الذين تحوم حولهم الشبهات أو استقالة المشيشي نفسه. ومباشرة بعد هذه الدعوة، ترد عبير موسي، رئيسة حزب الحر الدستوري (إعادة تدوير أسوأ ما في النظام السابق، تشتم الثورة وتعطل المجلس النيابي) بضرورة التعبئة المضادة والنزول إلى الشارع أيضا. والغريب أنها تدعو الأحزاب المدنية إلى الدفاع عن الديمقراطية (تقصد حزبي الحركة الشعبية والتيار الديمقراطي، المساندين للرئيس وبقية الأحزاب اليسارية خارج البرلمان). وستكون خطوة الشارع، لو أقدمت عليها "النهضة"، وتصدّى لها خصومها بالنزول إلى الشارع أيضا، بالغة الخطورة في اتجاه تعميم الصراع، وجعله أفقيا ومجتمعيا، بعد أن ظل داخل قصور الحكم وفي أروقتها وحول النخب فحسب.
لسنا في ما يشبه الحالة التركية، لاعتبارات كثيرة، ليس هذا مقامها، خصوصا وأن الجيش التونسي غير معني بحسم الخلاف أصلا، ويكتفي بحماية البلاد، وقد سقط منه، أخيرا، خمس ضحايا غدرت بهم الجماعات الإرهابية. كان المتمنّى أن تكون صناديق الاقتراع ما يُحتكم إليها لفضّ النزاعات وحسم الصراعات والخيارات، غير أننا نعود مجدّدا إلى هذا الكابوس الذي سيرافقنا، ونحن نسحق تقريبا تحت جبل المصائب، كورونا، إفلاس، شعبوية.. اللهم رحماك.