عن ثورةٍ لم تنهزم ولم تنتصر

04 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كيف انطفأ وهج ثورة شباب العراق بهذه السرعة، كيف تداعى هذا الزخم المهول الجامع للناس وللأمكنة وللطموحات مرة واحدة؟ هل انهزمت الثورة، وسقطت بين أفواه الأفاعي، وأسقطت براءتها الأولى من دون أن تنال شيئا؟ كيف إذن تحوّلت ساحات الثورة إلى صراعات بين مجموعات بدت متفرّقة، مختلفة وحائرة؟ هل تواطأ بعض الثوار مع خصومهم، وماذا كان الثمن، ومن ربح، ومن خسر؟ كيف استطاعت الثورة المضادة أن تدخل لاعبا ذكيا في الساحات، وهل هزمت حقا القوى الداعية للتغيير؟ كيف استطاعت الطبقة السياسية التي قامت الثورة من أجل تغييرها أن تحتفظ بمواقعها وتتمترس وتهزم الثوار فجأة، ومن دون مقدّمات؟ كيف ترك الثوار الساحات، من دون أن يستعيدوا الوطن الذي أرادوا استعادته؟ هل تراجع الرجال الطيبون عن الدفاع عن الفقراء والمحرومين الذين لم يمكنهم الدفاع عن أنفسهم؟ كيف صمت "المطعم التركي" وسكنت أبهاؤه، وأقفرت الساحات المحيطة به؟ وماذا عن صرخات الشهداء السبعمئة، والجرحى والمعوقين الذين تجاوزت أعدادهم العشرين ألفا؟ 

أسئلة تشبه وخزات السكين التي تخترق القلب، صارخة بسوء الحال والمآل. إنها أزمة، ولا كالأزمات أن تتوقف الثورة، أو أن يهادن الثوار أعداءهم عند صياح الديك، وقد قيل إنهم استسلموا، وقيل إنهم تعبوا ففضلوا أن يستريحوا قليلا أو كثيرا، وقيل إنهم تراجعوا خطوة ليتقدموا خطوتين، وقيل غير هذا وغير ذاك. 

إنها أزمة في العراق، ولا كالأزمات أن تتوقف الثورة، أو أن يهادن الثوار أعداءهم عند صياح الديك

وقد آن للحكاية أن تروى، وأن يعرف الملأ أنه في وقت عصيب بدا أن الثورة هي الحل الأوحد، فما صنعته الطبقة الحاكمة طوال سبعة عشر عاما بالبلاد وبالعباد لا يمكن أن يُعالج من غير ثورة، ثورة لا تطمح لتفسير الحال فحسب، إنما لتغييره، ولصنع حال جديد يليق بالعراق، شعبا وتاريخا وحضارة، لكن ما يحدث اليوم يوحي وكأن الحل قد انكفأ وتراجع، وربما أصبح بعيد المنال.

صحيحٌ أن ثمّة خطواتٍ إصلاحية تصب في هذا المجرى أو ذاك، لكنها قطعا لا ترسم خريطة للحل الجذري المطلوب، حيث لا تنفع المراهنة على انتخاباتٍ برلمانية مبكرة، ولن يكون البرلمان المأمول "قدس الأقداس"، وقد تواطأ الكهنة والمرابون واللصوص، وأحكموا عدّتهم لدخوله كما حدث في مرات سابقات. كما لا تنفع مهادنة المليشيات، وقد خدعونا بتصنيفها درجاتٍ وبتعدّد أوصافها، "ولائية" مرتبطة بولاية قم، ونصف ولائية تضع رِجلا في طهران وأخرى في بغداد، وغير مواليةٍ لأحد، لكنها تتخذ الطابع المليشياوي لزوم العيش والرزق الحرام. ولا يمكن أن يركب الثوار الوهم في أن بعضها خضع لسلطة الدولة، واكتسب شرعيته الوطنية بقانونٍ أخرق أوصى به رجل ايران الراحل، قاسم سليماني، كي يبقي هيمنة بلاده على القرار العراقي، إلى أن تقوم الساعة، مع أن واقع الحال ينذرنا أن كل المليشيات سواء، وملة المليشيات واحدة.

الثورة هي الحل الأوحد، فما صنعته الطبقة الحاكمة في العراق سبعة عشر عاما بالبلاد وبالعباد لا يمكن أن يُعالج من غير ثورة

وفي هذا السياق، لن تستطيع الدولة، إذا كان ثمّة دولة حقا، أن تضع السلاح في يد جيشها النظامي وحده، وأن تحتفظ بقرار الحرب والسلم لنفسها، ما دام السلاح، بأنواعه وضروبه، ومنها الصواريخ والطائرات المسيرة بأيدي أناسٍ يتبعون دولة أخرى، ويمثلون جيشا موازيا. ووسط كل هذه التعقيدات، سوف يجد الأميركيون ما يوفر لهم بقاءهم في العراق، ويجعله أمرا مؤبدا، ولن يفكروا في الرحيل، كما سيكرّس الإيرانيون هيمنتهم المباشرة على العراق، أرضا وسماءً وماءً، وإلى ما شاء الله!

وفي هذ السياق أيضا، لن يتوقف "الحيتان" الكبار عن التسلط على موارد البلد كلها، ليحوّلوها ملكاً لهم ولأسرهم، وهم لن يغادروا مدننا وقرانا، ولن يتركونا نستردّ أنفاسنا، إذا لم تتم ملاحقتهم والاقتصاص منهم. ومن دون استمرار الثورة، وإنْ بأشكال مختلفة قد يبتكرها الثوار أنفسهم، سوف يستمر الحاكمون في تسويق الأوهام على الفقراء والمضطهدين الذين لا يجدون سبيلا أمامهم سوى ارتياد مسيرات اللطم ومواكب العزاء في انتظار ظهور "المهدي" الذي سينقذهم من هذا البلاء، ويرفع عنهم رجس الشياطين.

وعندما يتراجع الثوار، وتنتكس راية الثورة، لا يكفي إبداء الأسف ولا الحزن على ما حدث، وإنما يجب البحث عند هذا المنعطف عن فعل أكبر. في خضم هذا كله، تظل ثمّة بقية أمل يحملها شبابٌ رفضوا التراجع والهزيمة، ومعهم يمكن الحكم بأن الثورة لم تنهزم بعد، لكنها في الوقت نفسه، لم تنتصر.