عن برلمان معطِّل في ليبيا

عن برلمان معطِّل في ليبيا

28 يوليو 2021
الصورة
+ الخط -

يعتبر البرلمان ركنا متينا من أركان إقامة الدولة المدنية الحديثة، فهو مؤسّسة تمثيلية، وازنة، ينتخبها مواطنون لتعبّر عن مشاغلهم، ولتعمل على تحقيق مطالبهم، ولتشرف على إدارة الشأن العام، ولتجسّد، ولو نسبيّا، ما يُعرف بمقولة حكم الشعب. ويقوم مجلس النواب بأدوار التأطير الدستوري والتشريعي للاجتماع المدني، وتأمين التسيير المؤسّسي للدولة، وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ومراقبة الأداء الحكومي، وضمان التوازن بين السلطات. وعليْه المعوّل في التصديق على الموازنة العامّة، ووضع القوانين، أو تنقيحها، أو إبطال العمل بها. وتفاءل معظم الليبيين خيرا بظهور مجلس النواب الليبي (2014) خلفا للمؤتمر الوطني العام. وظنّوا أنّه سيعمل على حلحلة الأزمات، وترسيخ الانتقال الديمقراطي بعد الثورة، وسيكون من روافد إقامة مجتمع القانون والمؤسسات، وتيسير قضاء شؤون المواطنين وإدارة دواليب الدولة بطريقةٍ سلسةٍ، نزيهة، شفّافة، ناجعة.

والمتابع لسيرورة البرلمان الليبي منذ ظهوره يتبيّن أنّه لم يكن في مستوى الآمال الشعبية المعقودة عليه، فأداء المجلس النيابي، بقيادة عقيلة صالح، هزيل، مرتبك. بل معطّل لمشروع الاستقرار، والمأسسة المدنية، والتنمية الشاملة، والدمقرطة الرشيدة في البلاد، بحسب مراقبين، فالبرلمان لم يعمل على تطبيق محامل اتفاق الصخيرات (2015)، ولم يمنح الثقة لحكومة الوفاق الوطني (2016) التي ترأسّها فايز السراج، وكانت محلّ اعتراف دولي. ولم يكن موحّدا، متماسكا، صارما في إدانة خروج اللواء المتقاعد خليفة حفتر على الدولة، وشنّه حربا شعواء على الغرب الليبي (2019)، أدّت إلى مقتل كثيرين، وتشريد آخرين وتهجيرهم. وما انفكّ البرلمان يبتزّ حكومة الوحدة الوطنية الوليدة، بقيادة عبد الحميد الدبيْبة، ويضع العراقيل أمامها، وآخر ما حصل في هذا الخصوص مماطلة نوّابٍ في اعتماد الميزانية العامّة التي عرضتها الحكومة الجديدة. ويؤثر ذلك سلبا على سيرورة المرافق الحيوية في الدولة، ويعطّل تلبية حاجيات المواطنين الضرورية. ومن ثمّة، أصبح مجلس النواب جزءا من الأزمة الليبية، بدل أن يكون طرفا مساهما في حلّها. ويمكن تفسير الأداء السلبي للبرلمان بثلاثة موجّهات أساسية. أوّلها، عدم حيادية رئيس مجلس النواب، وثانيها، سطوة خليفة حفتر، وثالتها ارتهان طيْف معتبر من النواب لخدمة أجندات خارجية.

المتابع لسيرورة البرلمان الليبي منذ ظهوره يتبيّن أنّه لم يكن في مستوى الآمال الشعبية المعقودة عليه

يعتبر المستشار عقيلة صالح (79 سنة)، رئيس مجلس النواب الليبي، من الوجوه القديمة في المشهد السياسي في ليبيا، فهو مخضرم، عايش حكم اللجان الثورية على عهد العقيد الراحل معمّر القذافي، وتقلّد وقتها مناصب مهمّة، ٱخرها رئاسة فرع إدارة التفتيش القضائي في درنة (1999)، واستغلّ بعد الثورة (17فبراير/ شباط 2011) خبرته القانونية الطويلة وانتماءه إلى قبيلة العواقير، إحدى أكبر القبائل في الشرق الليبي، لينخرط في معترك الحياة السياسية، مقدّما نفسه شخصية وطنية، وفاقية، معتدلة، حريصة على دعم الانتقال السياسي في ليبيا. ومكّنه ذلك البروفايل من الفوز برئاسة مجلس النواب (4 أغسطس/ آب 2014). لكنّ حصيلة سبع سنوات من العمل البرلماني على عهده تُخبر بأنّه لم يكن شخصية حيادية، وفاقية، جامعة. بل كان مصدر فرقةٍ وتوتّر داخل البرلمان وخارجه بحسب مراقبين، فالرجل رفض التسليم بمخرجات اتفاق الصخيرات (2015)، ورفض الاعتراف بحكومة الوفاق الوطني بزعامة فايز السراج، ولم يقبل بمناقشة مبادراتها التشريعية، وحال، هو ونوّاب موالون له، دون منحها الثقة، ودون اعتماد جدولتها للميزانية العامّة. وفي المقابل، قبل عقيلة صالح بوجود حكومة موازية لحكومة الوفاق في إقليم برقة بقيادة عبد الله الثني وتعامل معها، وهو ما أثّر سلبا على سيادة ليبيا ووحدتها الترابية والقيادية. كما انحاز إلى معسكر "عملية الكرامة "بزعامة اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي رام نقض كلّ الاتفاقيات السياسية لحل الأزمة الليبية وإقامة نظام عسكري، بدلا عن نواة الدولة الديمقراطية في البلاد.

أداء المجلس النيابي، بقيادة عقيلة صالح، هزيل، مرتبك، بل معطّل لمشروع الاستقرار، والمأسسة المدنية

واللافت للنظر أنّ عقيلة صالح وظّف مجلس النواب ليضفي شرعية وهمية على أعمال حفتر الانقلابية، فقد أخرج الأخير، في مقام أوّل، من وضعية المتقاعد وجوبا، وأسند إليه خطّة القائد العام للقوات المسلحة (02/03/2015)، وهي خطّة غير موجودة في التراتبية النظامية للجيش الليبي. وأيّد في مقام ثان الحرْب العبثية، الشعواء التي شنّتها كتائب حفتر، بمعية مرتزقة أجانب، على الغرْب الليبي عموما، وعلى العاصمة طرابلس خصوصا، بغاية الوصول إلى الحكم بقوّة السلاح، والقضاء على مشروع الدولة المدنية، التعدّدية. وأدّى ذلك الحدث الجلل إلى أنشطار المجلس النيابي من الداخل، وإلى انقسامه قسمين: برلمان طبرق بقيادة عقيلة صالح، ودعم حرب حفتر العشوائية وطموحاته العسكرية، السلطوية. وبرلمان طرابلس بقيادة عبد الحميد سيالة، ورفض بشدّة فوضوية حفتر وخروجه العنيف على الدولة المدنية. ودفع السلوك اللامسؤول لعقيلة صالح وتعطيله المسار الانتقالي في ليبيا الإدارة الأميركية إلى فرْض عقوبات عليه، فأدرجه مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (OFAC) ضمن قائمة "الأفراد الذين يهدّدون السلام والأمان والاستقرار ويعرقلون الأداء الحكومي والانتقال السياسي بليبيا، وفرض حظرا على أصوله المالية في أميركا" (2016/05/13). وبعد أن خسر حفتر حربه على المنطقة الغربية، تمكّنت البعثة الأممية ومجلس الأمن من إلزام الجميع بوقف إطلاق النار، وتمّ استئناف جولات التسوية السياسية للأزمة الليبية، واستعاد البرلمان وحدته بعد انفراط عقده، وجرى تكوين حكومة وحدة وطنية بقيادة عبد الحميد الدبيْبة. لكن المشهود حاليا أنّ فصيلا في المجلس النيابي محسوبا على عقيلة صالح وخليفة حفتر عرقل، خلال ستّ جلسات متتالية، التصديق على الميزانية العامّة، خدمة لمصالح شخصية وفئوية ضيّقة. والحال أنّ تعطيل الميزانية يعني تعطيل صرف المنح المالية الموجهة لتسيير البلديات، وعرقلة إحداث محطات كهرباء جديدة، وعدم صرف الأموال الموجّهة إلى المفوضية العليا لتنظيم الانتخابات، وفي ذلك تعطيل للمصلحة العامة ولسيرورة دواليب الدولة.

والمرجّح أنّ لحفتر سطوة على البرلمان الليبي منذ ظهوره، فوجود مقر مجلس النواب في المنطقة الشرقية (طبرق) جعل المجلس عمليا تحت هيمنة القوات الموالية له. وأثر ذلك سلبا على أداء معظم النواب، فهم يعملون في ظروفٍ غير آمنة، ويخشون غضب الكتائب التابعة للمشير الحاكم بأمره في الشرق الليبي. والملاحظ هنا أن حفتر، مذ قلّده المستشار عقيلة صالح، منصب القائد العام للقوات المسلّحة لم يمْثُل أمام المجلس النيابي، ولم تتم مساءلته ولا مراقبته، على الرغم مما عرفه الشرق الليبي من أحداث أمنية خطيرة، في مقدّمتها اختطاف النائبة سهام سرقيوة ومقتل الناشطة الحقوقية حنان البرعصي في بنغازي. ويذهب متابعون للشأن الليبي إلى أنّ الفصيل التابع لحفتر في البرلمان يعطّل تمرير ميزانية حكومة الدبيبة، بغرض الحصول على مناصب سيادية، في مقدّمتها المطالبة بتعيين حليف حفتر، عبد الرزاق الناظوري وزيرا للدفاع، وتعيين أتباع لحفتر في البعثات الدبلوماسية في مصر والأردن وروسيا. كما تفيد تقارير متواترة بأنّ معسكر حفتر في البرلمان يشترط لتمرير الموازنة العامّة تضمينها بندا يتعلّق بإسناد مخصصات مالية كبيرة لقوات حفتر في الشرق الليبي (بين 4 و6 مليارات دولار). ويرجّح مراقبون أن المراد من تلك الأموال إنقاذ الجنرال من ضائقته المالية، وتسديد ديونه لداعميه الإقليميين في الحرب على طرابلس. ويخشون من أن يتمّ توجيه تلك المبالغ لما يعرف بهيئة الاستثمار العسكري في الشرق الليبي، وأن يتمّ توظيفها لشنّ حربٍ جديدة، ولتمويل كتائب حفتر وتكديس السلاح، وانتداب مرتزقة جدُد. ومن ثمّة فتعطيل الحكومة والميزانية غير بريء. بل يُخبر أنّ المجلس النيابي أصبح فضاء للمقايضة، والمساومة، والمحاصصة الغنائمية، وهو في إلى حدّ ما رهينة في قبضة حفتر.

لم ينجح البرلمان الليبي في أن يكون قوة اقتراح وتشريع، وتأسيس وتعديل. بل ظلّ قوّة تعطيل

وفي خصوص خدمة طيف من النواب أجنداتٍ خارجية، تُسجل مطالباتُ بعضهم بتدخل عسكري مصري مباشر في الأراضي الليبية، ومباركة آخرين تنامي الحضور الأمني الروسي في المنطقة الشرقية، وحرص غيرهم على استدامة الوجود العسكري التركي في غرب البلاد. وبدا واضحا أن البرلمان لم يبلور خطة إستراتيجية، إجرائية لتكثيف الجهود المحلية والدولية بغاية دفع القوات الأجنبية والمرتزقة (جنجويد، تشاديون، روس، سوريون..) إلى مغادرة ليبيا، وتحميل البلدان التي ينتمون إليها المسؤولية في هذا الخصوص. وذلك راجعٌ إلى أن بعض النواب تربطهم علاقات نفعية بجهات إقليمية ودولية، ولا يجدون حرجا في تقديم المصلحة الخاصة على الصالح العام. ومعلومٌ أن استمرار حالة الاصطفاف للأجنبي داخل المجلس النيابي تحدّ من فاعلية البرلمان، وتؤثّر سلبا على سيادة ليبيا واستقرارها.

ختاما، بعد سبع سنوات من الأداء المتعثر، والصراع على المصالح وأسباب النفوذ، لم ينجح البرلمان الليبي في أن يكون قوة اقتراح وتشريع، وتأسيس وتعديل. بل ظلّ قوّة تعطيل، وأصبح في نظر ليبيين كثيرين "عنوانا للعرقلة وسببا من أسباب معاناة الشعب". لذلك من المهم التعجيل بتنظيم انتخابات تشريعية، نزيهةٍ، لاختيار نوّاب جدد، يتولون تحقيق مطالب الليبيين وتطلّعهم إلى بناء دولة مدنية، ديمقراطية، عادلة.