عن المونولوجست الذي خاصم الحاكم

عن المونولوجست الذي خاصم الحاكم

01 ديسمبر 2021
الصورة

عزيز علي .. لم يرضخ للحكام ورفض الغناء لهم

+ الخط -

وسط احتدام المشهد السياسي في العراق، وتصاعد حمّى الخوف لدى الجميع مما هو قادم، تجد مجموعة من المثقفين والفنانين الفرصة سانحة لإنصاف فنان متفرّد وإعادة الاعتبار له بعد عقود من الاضطهاد والإهمال والتجاهل. ومن يكون هذا الفنان غير المونولوجست عزيز علي الذي قارع حكام بلاده على امتداد حياته، لا فرق عنده بين حاكم وآخر، سخر منهم وشتمهم، وقال فيهم ما لم يقله مالك في الخمرة. ورفض أن يقول فيهم مديحا أو إطراءً، على الرغم من أن بعضهم اقترح عليه أن يفعل ذلك فرفض، لأنه، كما قال، لا يمكن أن يكون بوقا لحاكم. وحين كان العراق في عهد الملوك يشهد هامشاً ديمقراطياً افتقدناه في عهود الجمهوريات، بدا الميدان فسيحاً أمامه، لينشط في فضح فساد الحكومات المتعاقبة، وفي الدعوة إلى الثورة على الحكام الذين اتهمهم بالعمالة للمستعمر، وذلك في مونولوجاته الشعبية الناقدة التي كان يقدّمها عبر راديو بغداد (الحكومي) في سنوات الخمسينات، والتي استقطبت جمهورا عريضا، إلى درجة أن أفراد العائلة كانوا يتحلقون حول الراديو مساء كل أربعاء لسماعه، والتعاطف مع ما يطرحه. وكان جزاؤه السجن مرات، وبتهم متناقضة لم يتوفر عليها دليل، ففي مطلع الأربعينيات، وجهت إليه تهمة اعتناق الأفكار النازية، إثر مجاهرته بمساندة حركة رشيد عالي الكيلاني ضد الإنكليز، وقد سجن إثرها سنتين. وعندما أعيدت له حريته غنّى "اسكت لا تحجي (لا تتكلم) تبتلي". عندها، وفيما كان يؤدّي نوبته الأسبوعية في استديو الإذاعة، فوجئ بحضور رئيس الوزراء آنذاك السياسي المخضرم، نوري السعيد، الذي هاله أن يهاجم عزيز السلطة في مونولوجاته. وظن أنّه "شيوعي" لكنّه حين عرف أنّه ليس كذلك اكتفى بتقريعه، وحثّه على استغلال موهبته في توعية المواطن، والتركيز على الجوانب الإيجابية وحركة الإصلاح في البلاد، وسمح له بمواصلة تقديم أغنياته.

طالما دعا عزيز علي إلى الثورة على الحكام الذين اتهمهم بالعمالة للمستعمر

لم يتراجع عزيز ولم يهادن، غنّى مونولوجات عديدة ناقدة، ومحفزة على التغيير في ظل الهامش الديمقراطي المتاح آنذاك، من ذلك مونولوج "كل حال يزول" الذي اعتبر نبوءةً بتغيير الحال. وفي اليوم الأول لقيام الجمهورية، أنشد قصيدة اشتهرت في حينه "نو.. نو.. لهنانة وبس (إلى هنا .. ويكفي)". اعتكف بعدها متمسّكاً بشعاره في ألّا يتحوّل إلى بوق للحاكم. لكن مشكلة الحاكم أنّه لا يقبل من الشاعر أو الفنان بأقل من قصيدة مديح أو نشيد في الإشادة به. ولهذا، اعتقل مرة أخرى، قرّر بعدها أن يعتزل الغناء، معلناً قراره هذا في مونولوج "ألعن أبو الفن لابو أبو الفن".

اعتقل عزيز من جديد في منتصف السبعينيات، على خلفية ما قيل عن العثور على اسمه ضمن مجموعة أسماء لشخصيات سياسية واجتماعية كانوا على صلةٍ بمحفل ماسوني قبل ربع قرن. وحكم عليه بالسجن سبع سنوات، بعد محاكمة استمرت خمس دقائق فقط، شمله عفوٌ عام بعد سنتين ليعود حرّاً.

عرضوا عليه تدبير هروبه إلى إيران، وطلبه اللجوء تحت ستار تعرّضه للاضطهاد والقمع في بلاده، والتجسّس هناك لصالح المخابرات العراقية، لكنّه رفض العرض بشدّة

لم يفارقه سوء الحظ إطلاقًا، على الرغم من اعتزاله، إذ حدث عندما نشبت الحرب بين العراق وإيران أن شرعت إذاعة الأهواز العربية في إذاعة مونولوجاته الانتقادية القديمة، وهو ما دفع سلطة بغداد آنذاك إلى التحقيق معه، لمعرفة ما إذا كانت له يد في إيصال تلك التسجيلات إلى إيران. ولمّا اكتشفوا أن لا صلة له بذلك، عرضوا عليه تدبير هروبه إلى إيران، وطلبه اللجوء تحت ستار تعرّضه للاضطهاد والقمع في بلاده، والتجسّس هناك لصالح المخابرات العراقية، لكنّه رفض العرض بشدّة. وبعدما يئسوا من استدراجه أطلقوا سراحه، ودفعه ذلك إلى حالة من اليأس، انزوى بعدها في منزله، حتى رحيله في أكتوبر/تشرين الأول 1998.

شكّل عزيز علي في مسيرته الفنية منذ منتصف ثلاثينيات القرن الماضي ظاهرة نادرة، ففي وقت ظهر عشرات المغنين والمنشدين الذين وضعوا أنفسهم تحت وصا ية الحاكم يغنون له ويغدقون عليه المديح، كان وحده النقيض لذلك، فقد رفض أن يكون بوقاً، على الرغم من كلّ ما تعرّض له من اضطهاد وإهمال وتجاهل.

وفي مواجهة ذلك، كانت مبادرة مجموعة الفنانين والمثقفين لإعادة الاعتبار له وتذكير الناس بما قدّمه من فن هادف، وباعتباره أحد رجالات العراق المبدعين، وتم تكريمه في الأسبوع الماضي بإزاحة الستار عن تمثال نصفي له من صنع الفنان موفق مكّي في مدخل مبنى مدرسة الموسيقى والباليه التي أشرف الراحل على تأسيسها في ستينيات القرن الماضي، بالتعاون مع خبراء وفنانين روس، ساهمت في صقل مواهب أطفال كثيرين، واصلوا مهاراتهم الموسيقية في ما بعد وأبدعوا فيها.