عندما يهرولون إلى التطبيع

16 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

في حمّى السباق بين حكومات بعض الدول العربية على التطبيع مع الكيان الصهيوني، يمكن إدراج ملاحظات كثيرة بشأن المضمون والسياق والشكل والأهداف. لا يمكن، بالطبع، نسيان الشرعية التاريخية لأي جهةٍ تحاول حلّ الصراع العربي الإسرائيلي ومعالجة القضيّة الفلسطينية. كما لا يمكن القفز على العلاقة البينية التي طبعت، طوال العقود الماضية، تعامل أنظمة الحكم في هذه الدول بعضها مع بعضها الآخر.

يكاد المرء يثق بالحكم على مضمون هذه الهرولة، بأنه لاسترضاء عرّاب وجود هذه الأنظمة القابع في واشنطن بالدرجة الأولى. وفي الدرجة الثانية، البحث عن حليفٍ يمكن الاتكاء عليه في مواجهة الخطر الداخلي، المتمثل بشعوب هذه الدول من جهة، وفي مواجهة الخطر الخارجي المتمثل لآخرين بنظام حكم الملالي من جهة ثانية، فإسرائيل لم تعد العدوّ المعلن لهذه الأنظمة، بل الحليف الأول لها بعد أن وضحت سياسة العم سام بالتوجه شرقاً لمواجهة خطر تمدّد التنين الصيني. وإسرائيل صاحبة مصلحة كبرى بالتعامل مع حكوماتٍ وأنظمةٍ فاقدة للشرعية الشعبية، لأنّ من شأن ذلك أن يجعلها حاميةً للعروش المتهالكة، وبالتالي قادرة على ابتزاز أصحابها لما فيه مصلحتها العليا، فمن نافلة القول إنّ إسرائيل تفضّل التعامل مع حكام مستبدّين منبوذين من شعوبهم، على أن تتعامل مع حكومات منتخبة ديمقراطياً من شعوب حرّة مالكة ناصية أمرها. وخارجياً، طالما اعتمدت هذه الحكومات على حمايةٍ وصائيةٍ من بريطانيا ثم من أميركا في مواجهة إيران الشاه ومن بعده إيران الملالي. والآن تعتقد أن العلاقة مع إسرائيل قد تكون الحصن المنيع في وجه أطماع إيران التاريخية.

من يريد استعادة الأرض والحقوق المغتصبة يبني الأوطان أولاً على أسس تحترم إرادة شعوبها وتحفظ كرامتها، وثانياً يحدّد علاقاته مع العالم على أساس هدفه النهائي هذا

يؤشّر تاريخ العلاقة بين إسرائيل وأنظمة الحكم العربية إلى تغيّر الصورة النمطية القديمة، فقد ظهرت إلى العلن حالة الترابط الوثيق هذه بدل أن تبقى حبيسة الغرف السرية. لم يكن لكثير، إن لم نقل لغالبية، أنظمة الحكم هذه من مبرّر للوجود سوى إسرائيل، وسواء أكانت العلاقة بين بعض الحكام وقادة إسرائيل المتعاقبين مباشرة أو غير مباشرة، فإنّ جوهر الأمر واحد. لم يقم أي نظام حكمٍ في أي بلد عربي كان خلال ال 72 عاماً التي مرّت على إعلان قيام إسرائيل، بأية إجراءات توحي بأنه بصدد الإعداد والتهيئة لحلّ هذا الصراع لمصلحة العرب أو الفلسطينيين. فمن يريد استعادة الأرض والحقوق المغتصبة يبني الأوطان أولاً على أسس تحترم إرادة شعوبها وتحفظ كرامتها، وثانياً يحدّد علاقاته مع العالم على أساس هدفه النهائي هذا. بينما الذي حصل هو ببساطة تحويل هذه الأوطان إلى سجون كبيرة أو إلى مقاهٍ وخمّارات ومراتع للفساد والرشوة والانحلال بكل أشكاله، وهذا أقصى ما يسعى إليه حكام إسرائيل. لقد كان قتل ارتباط شعوب الدول العربية بالقضية الأهم قومياً ودينياً هدفاً إسرائيلياً على الدوام، وهذا ما عملت عليه حكومات هذه الدول بكل إصرار وإخلاص. لقد باتت أولوية شعوب المنطقة العربية الحصول على ما يسدّ رمقها، ومن ثمّ إعادة إعمار ما دمّرته حكوماتها من بنى تحتية ومجتمعية، فمن أين ستأتي رفاهية تحرير فلسطين أو على الأقل مناصرة الشعب الفلسطيني في حقوقه المشروعة!

ينضمّ الآن نظام المحاصصة الطائفية في لبنان إلى ركب المطبعين، فمن خلال قضيّة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل

ينضمّ الآن نظام المحاصصة الطائفية في لبنان إلى ركب المطبعين، فمن خلال قضيّة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، يدخل ثنائي المقاومة والممانعة الأعلى صوتاً بوابة التطبيع. والحقيقة أنّ هذه الخطوة اللبنانية تحقّق مصالح كثيرة بضربة واحدة، فأولاً هي تطبيع إيراني غير مباشر مع الإسرائيليين، تحاول إيران من خلاله بعث رسائل تهدئة للحفاظ على حدٍّ أدنى من مصالحها في سورية، فهي تدرك أنّ قبول إسرائيل ببقاء قواتها في سورية من عدمه هو العامل الحاسم لدى أميركا وروسيا اللتين تؤكدان باستمرار على أن أمن إسرائيل أولوية قصوى لكلتيهما. وثانياً، هي تطبيع شبه أولي بين نظام الأسد وإسرائيل، لأنه طالما كانت ورقة لبنان سلاحاً في يد هذا النظام يقايض بها ويستخدمها. وهي ثالثاً وأخيراً محاولة من نظام المحاصصة الطائفية لكسر طوق العقوبات الأميركية والمقاطعة الأوروبية من خلال البوابة الإسرائيلية. لقد أوصلت الطبقة السياسية لبنان إلى أن يكون منبوذاً من المجتمع الدولي، بعد أن كان طفلاً مدللاً لديه على مدار العقود الأخيرة الماضية، ومن خلال ترسيم الحدود تحاول هذه الطبقة استدامة سيطرتها على مقاليد الحكم في وجه الانتفاضة الشعبية ضدّها.

إسرائيل تفضّل التعامل مع حكام مستبدّين منبوذين من شعوبهم، على أن تتعامل مع حكومات منتخبة ديمقراطياً

أمّا السودان الذي لم يكن في أي يوم ساحة مواجهة أو حربٍ مباشرة مع المشروع الصهيوني، فإنّه يجد في التطبيع محاولة لكسر طوق العقوبات الأميركية والتصنيف على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وبالتالي يجد في ذلك طريقاً إلى إعادة التأهيل دولياً والانخراط مجدّداً باعتباره عضوا مقبولا في المجتمع الدولي. لا شكّ أن المجلس العسكري في السودان يحاول أن يقوّي من فرص بقائه في الحكم قبل انتهاء المرحلة الانتقالية المتفق عليها مع الأحزاب والقوى المدنية التي حملت مطالب التغيير الشعبي، ويرى قادة هذا المجلس في العلاقة مع إسرائيل مفتاح نجاة لهم من التهميش والإقصاء.

خليجياً، لا يمكن قراءة الخطوة البحرينية إلّا من خلال منظار سعودي بالدرجة الأولى، فالبحرين التي استنجدت بالقوات السعودية لمواجهة موجة ربيع الشعوب العربية، لا يمكنها أن تأخذ خطوة منفردة بهذا الاتجاه من دون موافقة بل دون طلب سعودي، فلا ثقل للبحرين في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي إلّا ذلك الذي تضفيه عليها ظلال الأخ السعودي.

ومن كل هذا السباق المحموم، نستنتج أنّ الهرولة باتجاه من يفترض أن يكون العدوّ التاريخي تهدف إلى حماية العروش واستدامة السيطرة على مقاليد السلطة ممن وصلوا إليها بلا جدارة او استحقاق. والسؤال الذي يطرح نفسه بحق: ألم يكن الصلح والتطبيع مع الشقيق القطريّ الأقرب أولى منه مع الغريب العدوّ الأبعد؟ والحقيقة أنّ الإجابة تختصرها أسباب الهرولة المذكورة أعلاه، والتي بات يعرفها القاصي والداني من أبناء هذه الدول.