صندوق النقد وتونس .. شروط أم إملاءات؟

22 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

على وقع أزمةٍ سياسيةٍ حادّة في تونس بين رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان، تعطّلت المصالح العليا للبلاد. وعلى الرغم من تنازلات خفيفة أبداها رئيس الحكومة، هشام المشيشي، حين تراجع نوعا ما عن تعيين خمسة وزراء من ضمن 11 وزيرا، قدر رئيس الجمهورية أن شبهات فساد تطاولهم، مع أن القضاء هو الفيصل في مثل هذه القضايا، بما يعزّز استقلال السلطات، ظلّ الوضع يراوح مكانه منذ نحو شهرين.
عاد الحديث، منذ أسابيع، عن محادثات بين الحكومة التونسية وصندوق النقد الدولي من أجل إخراج البلاد من أزمتها الاجتماعية والاقتصادية الخانقة، والتي من مظاهرها وجود ما يناهز 750 ألف عاطل عن العمل، ثلثهم تقريبا من حاملي شهادات العلوم الاجتماعية، بنسبة بطالة بلغت، في الثلاثية الأخيرة، حسب المعهد الوطني للإحصاء، 17%. كما فقدت البلاد، خلال أزمة كوفيد وحدها، ما يفوق 160 ألف موقع شغل. ولا تأتي الشدائد منفردةً على تونس، بل متعاضدة، يحدث هذا كله، في ظل شح الموارد المائية تحت تتالي مواسم الجفاف، وتعطّل استخراج الموارد الطبيعية على غرار البترول والفوسفات، حتى أن الشركة الوطنية لاستخراج هذه المادة عجزت، في الأسابيع الأخيرة، عن دفع أجور موظفيها، وكذلك كان حال الخطوط الجوية التونسية.

تتهاوى كل مؤشرات المالية العمومية إلى حدٍّ لم يعد فيه إفلاس تونس مستبعدا

يستعيد الناس في تونس، في ظل هذه اللوحة السوداوية، "مباهج العهد السعيد تحت حكم بن علي". وقد نشطت سردياتٌ، حتى ممن جاءت بهم الثورة، تحن إلى عودته. ويتيح الإعلام التونسي لهؤلاء مساحات واسعة، فيتمنون عودة النظام السابق. يتباهى نائب في برلمانٍ، ما كانت قدماه لتطأ قاعته لولا الثورة، بالجنرال المصري عبد الفتاح السيسي، معدّدا "خصاله وإنجازاته". والشيء من مأتاه لا يستغرب، فالرجل كان، إلى سنوات قليلة، من عتاة أصحاب الفكر القومي، قبل أن يمتهن السياحة الحزبية، حتى انتهى إلى تشكيل حزب "ريسايكل" (إعادة تدوير وتأهيل) فيه رموز النظام السابق. وذلك في مناخاتٍ يصعب فيها على المواطن التونسي فرز الخطوط، وتبين مشاريع سياسية قائمة على المبادئ، حيث يزدري الجميع الأحزاب والديمقراطية وصراع الديكة الممل، ويطالبون بقبضة من حديد، تزينها النخب على أساس أنها المنقذ الوحيد للبلاد.
في هذه المناخات التي تتهاوى فيها كل مؤشرات المالية العمومية إلى حدٍّ لم يعد فيه إفلاس تونس مستبعدا، تبدأ سلسلة من المفاوضات مع المانحين، لعل أهمهم صندوق النقد الدولي الذي لا يرفض أن يرافق البلاد للخروج من أزمتها، على الرغم من تحفظات عديدة، خصوصا وأن تونس لم تلتزم بوصفة الإصلاحات المقترحة، لكنه هذه المرة يبدو أكثر صرامةً وتمسكا بمواقفه، وهي أربعة أركان يلزم تونس بتطبيقها: التحكّم في كتلة الأجور في القطاع العمومي التي تضخمت بشكل غريب أتى على ما يمكن أن يوجّه إلى التنمية. ولذلك تراجعت المرافق والخدمات التي عجزت الدولة عن إيجاد تمويل لها. وقد ابتلعت الأجور الجزء الأكبر من الميزانية، خصوصا وأن تونس (11 مليون نسمة) من أكثر الدول التي تشغل في هذا القطاع (ما يناهز 850 ألفا)، والحال أن اليونان مثلا، وهي التي لها عدد السكان نفسه تشغل ما يناهز 350 ألفا. الشرط الثالث معالجة وضعية المؤسسات العمومية المفلسة، والتي يتم "إنقاذها" سنويا من أموال دافعي الضرائب، غير أنها سرعان ما تفقد مجدّدا توازناتها في غياب أي مساعٍ جدّية، لحوكمة التصرّف فيها وتسييرها.

يعتقد خبراء عديدون أن ما يقترحه الصندوق سيكون الوصفة التي سيصل إليها التونسيون، لو أداروا حوارا رصينا فيما بينهم

يضيف الصندوق، هذه المرة، شرطا رابعا، اتفاق كل الأطراف الاجتماعية، ما يعني ضمنيا موافقة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي يرفض؛ من خلال تصريحاته، خلال السنوات العشر الماضية، قطعيا هذه الشروط، ويراها مذلة، تنخرط في سياسات ليبرالية متوحشة، تفقد تونس مقوّمات سيادتها. ولذلك، لم يتأخر رد الاتحاد على هذه المقترحات، في تصريحات لقياداته ذكّرت بهذه الثوابت. ويبدو أن الإضرابات التي تشهدها عدة مؤسسات وطنية تبرهن على ذلك. ربما يكون هذا تحسين لشروط التفاوض، وقد اشترط الصندوق أن يكون في وفد من سيفاوضهم، وقد كان سابقا مقتصرا في تفاوضه مع الحكومة.
تقصد تونس الصندوق الدولي، وتطلب مساعدته، وهو لا يملي شروطه، أو يقدّم نصائحه لمن هو في غنى عنه. ومع ذلك، يعتقد خبراء عديدون أن ما يقترحه الصندوق سيكون الوصفة التي سيصل إليها التونسيون، لو أداروا حوارا رصينا فيما بينهم. وهامش المناورة هنا يضيق، في ظل تراجع الاستثمار وانكماشه، ما جمد إنتاج الثروة، فلا الدولة استأنفت الاستثمار العمومي، ولا الاستثمار الخاص الداخلي بادر إلى مشاريع للتنمية والتشغيل، ولا الاستثمار الخارجي هبّ لنجدة البلاد من أزمتها الخانقة. والطبقة السياسية، في صراعاتها الحادّة والعبثية، تعمق الأزمة التي قد تنسف المنجز الديمقراطي على ضعفه.