صناعة التفاعل والشهرة باللعن

12 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر صورة لإحدى الممرضات، وهي جالسة على الأرض ومتأثرة، بعد وفاة مرضى بفيروس كورونا، جرّاء نقص الأكسجين، وعجز الأطباء والممرضين عن إنقاذهم. حصلت الصورة على تعاطف واسع، إلا أن وسائل الإعلام المصرية قدّمت تغطية مغايرة، فوجدنا صحيفة المصري اليوم تنشر خبرا يزعم أن "مستشفيات لندن ترفض استقبال سيارات الإسعاف لنقص الأكسجين"، كما نشرت صحيفة الشروق تقريرا بعنوان "مستشفيات جنوب أفريقيا تعاني من نقص الأكسجين"، وهو أسلوب غالبا ما يلجأ إليه الإعلام المصري، للإيحاء بأن المشكلة عالمية، وتحدث في الدول المتقدمة أيضا. ولجأت صحيفة الوطن إلى أسلوب آخر مفضّل لدى الإعلام المصري، اتهام الإخوان المسلمين بالتورّط في الحادث، بزعمها وجود خطة لدى الجماعة لتصوير المتوفين في المستشفيات لإحراج النظام! وهو الخبر نفسه الذي نشرته فضائية أخرى موالية، ونفسه ما قالته وزيرة الصحة التي تتحمّل الجرم الأكبر في الواقعة، عندما اتهمت الإخوان بترويج شائعات عن نقص الأكسجين في المستشفيات.

لا يزال الأطباء في مصر يشتكون من نقص الأدوات والتجهيزات، وأبرزها أنابيب الأكسجين

إستراتيجية ثالثة لجأ لها الإعلام المصري، الحديث عن "نصف الكوب الممتلئ"، بمحاولة إبراز أي إيجابيات من المشهد وانتزاعها من سياقها والمبالغة فيها للتغطية على الكارثة، فقد ترك عمرو أديب الحادث وتغزل في السلطات لأنها، على حد قوله، وفّرت للممرضة زيا وكمامة وقفازات وأدوات مناسبة للعمل! وكأن ذلك تفضّلٌ ومنة من الدولة، وليس واجبها الذي قصّرت ولا تزال تقصر فيه، إذ لا يزال الأطباء يشتكون من نقص الأدوات والتجهيزات، وأبرزها أنابيب الأكسجين التي تسبب نقصها في وفاة المرضى، وأثار كل تلك الضجة من الأصل! كما لجأت قناة فضائية موالية إلى أسلوبٍ مضحكٍ آخر، عبر القول إن الممرّضات اللاتي أكملن عملهن هن من يستحق الإشادة، وليس الممرّضة التي تأثرت من المشهد المأساوي. 
قد تبدو هذه التغطية للوهلة الأولى مخططة بإيعاز من السلطات، لمحاولة تبرئتها من المسؤولية عن التقصير في إمداد المستشفيات بالأكسجين، في ظل انتشار فيروس كورونا، لكن الحقيقة أن لتلك التغطية هدفا آخر، فالقائمون على وسائل الإعلام في مصر يعرفون تماما أن الحديث عن نقص الأكسجين في بريطانيا وجنوب أفريقيا، أو اتهام الإخوان بالمسؤولية، أو حتى الهجوم على الممرّضة، لن تقنع طفلا، وأن نشر تلك الأخبار سيؤدّي إلى موجة هجوم واسعة، ستصل إلى حد توجيه السباب والشتائم لهم في خانة التعليقات، وهو ما حدث فعلا، إذ انهالت عشرات آلاف من تعليقات المواطنين التي امتلأت بما لذ وطاب من السباب من كل لون، لكن هذا ما كانت تريده وسائل الإعلام بالضبط! لأنها تلهث وراء تحقيق أي تفاعل على منشوراتها على مواقع التواصل، وجذب القراء إلى مواقعها، حتى لو كان ذلك التفاعل سلبيا، وهي سياسةٌ تكرّرت في حوادث سابقة وأثبتت نجاحها.

تعاني وسائل الإعلام المصرية من إحجام الجمهور عن متابعتها، لأنها لا تتحدّث في أي موضوعاتٍ تثير اهتمامهم

لماذا لجأت وسائل الإعلام المصرية إلى تلك الوسيلة الرخيصة لتحقيق التفاعل؟ ببساطة، لأن هذه الكيانات تعاني من إحجام الجمهور عن متابعتها، لأنها لا تتحدّث في أي موضوعاتٍ تثير اهتمامهم، لذلك لجأت إلى تلك الوسيلة، بغرض استفزاز الجمهور ودفعه دفعا إلى التعليق والتفاعل. ويستطيع المرء أن يتخيل رؤساء تحرير تلك المواقع والقائمين عليها، وهم في منتهى السعادة في أثناء قراءة الشتائم الموجهة لهم! وهو مصير بائس لوسائل إعلام طالما كانت مؤيدة لكل جرائم السلطة طوال السنوات الماضية، لكن السلطة كافأتها بتأميمها ومنعها من الكلام، حتى انصرف الجمهور عنها، واضطرّت إلى تقليص أعمالها وإنهاء خدمات عاملين لديها، واللجوء لتلك الأساليب، والسعي جاهدين إلى تلقي شتائم المتابعين! وقد اعترف وزير الإعلام، أسامة هيكل، بنفسه بأن أغلب المصريين انصرفوا عن متابعة وسائل الإعلام التقليدية، ليعاقبه المسؤولون بحملة إعلامية ممنهجة ضده في الإعلام الرسمي، وصلت إلى حد تسريب مكالماتٍ سابقةٍ له في برنامج تذيعه قناة تابعة لوزارة الإعلام التي يرأسها! في مشهد عبثي، يعبر عن حال الإعلام المصري. 
ولا تقتصر إستراتيجيات الإعلام المصري في تلقي الشتائم على نشر أخبار مستفزّة في أوقات الكوارث، بل تتخطّاها إلى الأوقات العادية، عبر نشر الأخبار التافهة عن الفنانين وأنشطتهم وتعليقاتهم السطحية على الأحداث، وأخبار تافهة أخرى، مثل الأخبار المتتابعة التي نشرتها عدة مواقع عن مأساة الزرافة "سوسن" التي كانت ستتزوج، إلا أن زوجها توفي قبل الزفاف! بالإضافة إلى نشر أخبار الجنس والجرائم البشعة، مثل نشر خبر (بالفيديو) عن شخص سب جثة زوجته بعد قتلها! وكذلك نشر تفاصيل حوادث اغتصاب تعرّضت لها سيدات، وغيرها من الجرائم. وامتدت تلك التغطيات كذلك إلى نشر الخرافات، مثل خبر عن "اعتزال حانوتي بعد سماعه صوت جثة"! ولا يجد المتابع لوسائل الإعلام تلك إلا تذكر رواية قديمة متداولة، عن شخص تبول في بئر زمزم في أثناء موسم الحج، وعندما قبضوا عليه، قال إنه يريد أن يشتهر ويعرفه الناس ولو باللعنات! وهو ما ينطبق على ما يقوم به الإعلام المصري حرفيا.