سيبقى العالم غداً

سيبقى العالم غداً

02 نوفمبر 2021
الصورة
+ الخط -

نُسارع إلى فتح نوافذنا على وسائل التواصل، لنرى ماذا حدث خلال السّاعة أو الساعتين، اللتين غبنا فيهما عن العالم الافتراضي، لأننا انشغلنا رغما عنا بالواقع، بحياتنا الحقيقيّة التي نعمل فيها، ونعيش فيها حياتنا الوحيدة. كأنّ العالم سينهار في غيابنا، وكأنّ وسائل التواصل هي المؤشّر الحقيقي إلى أننا على قيد الحياة. ولعله خير مثال الفراغ الذي تركه "البلاك أوت"، الذي غيّب ساعات أشهر مواقع التواصل عن العمل، وحرم المتواصلين من النوافذ التي يُطلّون منها على العالم وعلى بعضهم بعضا.
يُصبح التواصل الافتراضي أهم ما نفعله، كأنّنا خُلقنا لحظة فتحنا حساباتٍ هناك. حتى "فيسبوك" حين يقدّم لنا ذكرياتنا من السّنوات الماضية التي تنتهي بالسنة التي فتحنا حسابا فيه، يقول لنا إنّ ما عِشناه خارجه وقبله لا يستحق الذكر، ولن يُذكّرك أحد بما نسيته منه، بينما نحن نُقدّر ذكرياتك معنا، وما شاركته معنا، ومع غيرك عبرنا. من منّا تابع قصة "توقف نوافذ مارك زوكربيرغ" بعد عودتها إلى العمل، وبحث عن حقيقة الوضع، وأسباب الانقطاع؟ يُقال إن مارك خسر مليارات الدولارات خلال ذلك التوقّف المؤقت، لكن ماذا عمّا ربحه لاحقا بعد عودتنا إليه باستسلامٍ غريب؟ لأننا كنا نظن أنّ مواقعه هناك دائما، وأن علينا نحن أن نغادرها يوما، ولا يأتي ذلك اليوم أبدا، لأنّنا عاجزون عن العودة إلى حياتنا من دون وجود وسائل التواصل، وندرك أننا مُلتصقون به مثل أوكسجين للحياة المعاصرة، أو كونٍ مواز حلمنا به دائما.

الأسوأ من الاعتماد على الآخرين لاكتساب الثقة في النفس هو استنزاف الذات في وسائل التواصل

لعل الإدراك المتأخر بأن الحاجة إليها لا تكمن في منحنا أخبار الآخرين، بل استحسانهم لنا، تُفسّر هذا التّوق إلى "فيسبوك" وإخوته. ربما تقوم وسائل التواصل، في جزء منها، على تسويق الذات، لكن الهدف من هذا التسويق تلقّي الإطراء والإعجاب على ما نُسوّقه، وعملية التسويق نفسها. كنا نظنّ أن آلية عمل وسائل التواصل قائمة على المشاركة والنشر والتسويق، لكن الحقيقة أنها قائمةٌ أكثر على التلقّي؛ سواء بالإطراء أو المعلومة أو الترفيه .. مهما كان، فإن حياتنا تعتمد على الآخرين لتكون مهمّة.
الأسوأ من الاعتماد على الآخرين لاكتساب الثقة في النفس هو استنزاف الذات في وسائل التواصل، بحيث يُصبح الجزء الحقيقي والواقعي منها باهتا أمام الحضور الافتراضي. قد تخطر لك فكرة لطيفة عن موضوع، وتهمّ بوضعها على "فيسبوك"، مثلما تفعل عادة. وتفكّر لحظتها أنك تستنزف رصيدك من المواضيع والأفكار، فتقول لنفسك: لأدعها بيني وبين نفسي، ليبقى لي ما أقوله عندما أتحدّث إلى أُناسٍ في الواقع، فإذا استنفدتَ كل ما لديك على "فيسبوك"، ماذا ستقول للناس؟ حينها تتذكّر أناسا ثرثارين في "فيسبوك"، فارغين في الواقع. كأنهم استنفدوا طعمهم كله، لأجل جمهورٍ افتراضي لنيل إعجابٍ وصيت، على وزن صيت الغنى ولا الفقر.
في فيديو شاهدته لطبّاخةٍ مغربيةٍ ظريفة، يُصوّر مديرها العربي ما تطبخه، وطوال مدة الفيديوهات، هناك خفّة دم وثناء من المدير على هدى، مع بعض النّكد الظريف بينهما.. في أحد الفيديوهات، أظهرت الطباخة نفاد صبرها من تعليقاته، وصرّحت إن على الناس أن يشاهدوا ما في الكواليس ليعرفوا حقيقة الوضع. حيثُ يُعنّفها المدير ولا يتصرّف معها باللطف نفسه الذي في الفيديوهات، حيث يظهران كما صديقين حميمين، بل إنها تصرّخ في وجهه أحيانا.

وحدهم ذوو الشّخصيات المصابة باضطرابات وإعاقات لا حدود لها لا يفكّرون أبدا في إغلاق هذه النوافذ التواصلية

"أنتم لا تعرفون ماذا يحدث في الكواليس" هكذا صرحت هدى، ردّا على من يوصيها خيرا بمديرها الطيب. هكذا إذن بعد محاولة إقناع الناس بأن الأمر واقعي جدا، وما تصوّره الكاميرا هو الحقيقة، يحاولون إقناعنا بالعكس. طيّب، ماذا يفعل المشاهدون تجاه هذه المعلومة؟ إنهم يتعاملون مع الذين في الفيديوهات أنّهم شخصيات افتراضية بعيدة عنهم عاطفيا وواقعيا. وهم غير قادرين على إظهار ردود فعل تجاه مواقف تستفزّهم. لذا ينصرفون عنها، ويأتي متفرّجون جدد يوصون الطباخة بمديرها الطيّب..
وحدهم ذوو الشّخصيات المصابة باضطرابات وإعاقات لا حدود لها لا يفكّرون أبدا في إغلاق هذه النوافذ التواصلية. ليس إيمانا منهم بأن العالم الافتراضي سيتغيّر إن خاضوا فيه بالشّتم والتنمّر، بل لأنهم يشعرون بأنهم أفضل حين يلوّثون العالم الافتراضي بمشاعرهم السلبية تجاه الآخرين. لم يكن صوت هؤلاء مسموعا في أي مكان. يمكنك فقط تجربة الاستماع إلى بعض سائقي التاكسي، لتفهم العلاقة بين النظريات والشتائم التي يكيلها بعض منهم لكل شيء، وما يُقدّمه آخرون في وسائل التواصل. والسبب أن لهم سلطة، لا يملكها غيرهم، فهم يستغلون أن الزبون عالقٌ معهم، ولن يذهب إلى مكانٍ لربع ساعة أو نصفها. فيمكن أن يسألك لمَ ترتدي الكمامة؟ ليكمل: بيني وبينك، كورونا مؤامرة من منظمّة عالمية، وعلينا الانتباه والحذر من اللقاح، لأنهم سيقومون عبره بتدجيننا جميعا، لنصبح جنودا لهم.. وهذا ما يفعله بعضهم على "يوتيوب" أو "فيسبوك". صحيحٌ أن الناس غير مجبرين على الاستماع، لكن إمكانية الوصول إلى الجميع تُعوّض ذلك، حيث يجد هؤلاء من يُشبههم بالسّهولة نفسها التي يجدون بها ضحايا عشوائيين.

إنّها ديمقراطية التّواصل، حيث لا فرق بين عالِم وأمّي على "فيسبوك"، كلّ منهما له صوت وحظ مماثل في الاستماع إليه

ثم تجد على "يوتيوب" الجارات والقريبات اللواتي كن يستلمنك في طفولتك، ويحاولن استخراج كل ما يمكن استخراجه من معلوماتٍ عنك، ومن أين اشترت أمك الحاجة الفلانية؟ وهل حقا فلانٌ خطب فلانة؟ وماذا قالت علانة عندما كانت ابنة خالتها ترقص في عرس أخيها؟ الآن هؤلاء النسوة، لهن قنوات يوتيوب، ولو بأشكالٍ متطرّفة "للغاية" عما كن عليه زمان، فالثرثارات كن بغاية البراءة مع ما تفعله بعض هؤلاء النساء، اللواتي يعرّضن لحمهن جزءا من الرّوتين اليومي.
بقي أن يُصبح لسائقي التاكسيات العربية قنوات تنقل تحليلاتهم العبقرية إلى كل الكوكب، الذي سيسمعهم يقدّمون وجهات نظر غير مسبوقة في الأحداث الدولية، الاقتصادي منها والسياسي والرياضي والفني. هم الذين يشتركون في معاداة النساء والماسونية، اللتين تقفان خلف مصائب الكون كله. .. هذا لا يعني أن ليس لهم منابر؛ فهناك "فيسبوك" وتعليقات المواقع الإلكترونية، وبعضهم وصل إلى "يوتيوب" بالفعل. حيث ينشر فيديوهات من قبيل: "انظر ماذا تفعل صاحبات روتيني اليومي بأخلاق الشعب". أو "اكتشف ماذا قالت فاطمة التي التُبست مع حميد في وضعية مخجلة". أو "انظر قبل الأوان، حقيقة ما حدث في جريمة قتل شعيب لأخيه بسبب جارتهم الحسناء الفاسقة".
إنّها ديمقراطية التّواصل، حيث لا فرق بين عالِم وأمّي على "فيسبوك"، كلّ منهما له صوت وحظ مماثل في الاستماع إليه. ومثلما ترفع الديمقراطية أناسا مثل ترامب، ليحكموا العالم، ترفع ديمقراطية التواصل سفهاء كثيرين، ليكونوا نجوما تُسمع كلماتهم ويؤثّرون في المجتمع.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج