سأكتب يوماً ما عن أنجي أفلاطون

سأكتب يوماً ما عن أنجي أفلاطون

14 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

كنت دائما أدّخر هذه العبارة في صناديق ذاكرتي من دون أن أمسّها، خوفا من لمس الوقار، خصوصا حينما يكون الموعود فيها ليس في حاجةٍ لعرفانٍ أو توضيحٍ أو كتابة، بعدما عاشت أنجي سيرتها حياة جميلة باحثة عن عدل، ودفعت، في سبيل ذلك، بلا مباهاة، من سنوات عمرها في السجون سنواتٍ خمسا، هل أنا في "مقام الحسن"؟ حسنا، هكذا فجأة، سأكتب يوما عن سيدةٍ لم تكن في حاجةٍ لأي شيء، وكانت بعيدةً عن احتياج أي شيء، إلا البحث عن عدل وألوان وريشة وغرفة في أي سجنٍ نافذته على مقربةٍ من النيل، بحيث ترى أشرعة المراكب لحظة الغروب من غرفة سجنها بالقناطر وترسم، هذا إن سمحوا لها بالألوان، وإنْ رسمت، أخذت منها اللوحات، أو تتم مصادرتها، لأن مؤسّسة السجون صاحبة حق امتلاك لوحاتها، لا هي، مخافة أن تُحدث هذه اللوحات طفرةً في وعي المساجين. ووافقت أنجي على ذلك الشرط، طالما حياتها كلها رهينة في مصلحة السجون، أتتمسّك بملكية لوحة؟

سأكتب يوما عن سيدةٍ لم يكن قط في أي من أحلامها أو كوابيسها أن تُحبس في سجنٍ سنوات خمسا، فسجنت، ورسمت، ولم تخرج من سجنها كارهةً أحدا، أو حاقدة على أحد، ولم تعش نديمة لحزنها على ماضٍ أو ثروةٍ أو جاه أو عائلة، هل للتربية شأنٌ ما حتى في تحمّل السجون؟ سأكتب يوما عن أنجي افلاطون أن هناك سيدةً لم تكن تطمع في أي شيء سوى الحق والخير والجمال وألوانها، وتركت باريس من أجل الوطن في السنوات التي كانت فيها علية القوم يهربون إلى باريس من الحرب، لأن جنتهم المشتراة بفلوسهم كانت هناك، وما الوطن عندهم سوى شياه للحلب واللحم.

سأكتب يوما أن هناك سيدة تركت طبقتها ولغتها "الفرنسية تربية" وقصورَها، ونزلت إلى الشارع منتظمة في جماعة سياسية، واضطرّتها الظروف السياسية والملاحقات البوليسية أن تختبئ في غرفة بشبرا مع أناسٍ بسطاء من أجل الوطن، والتي دخلت معها الغرفة أول ليلة بشهادتها هي في سيرتها هي أمينة رشيد التي ذهبت، هي الأخرى، إلى رحاب ربها من أسبوعين، ومن طبقتها ولغة البيت الفرنسية أيضا.

هل هي مصادفاتٌ أن أقرّر من سنوات الكتابة عن أنجي، وحينما أقرّر تكون قد ماتت من أسبوعين أمينة رشيد أول من دخلت مع أنجي في غرفتها، وهي هاربة من أعين البوليس في شبرا، بعد شهرين من الهروب أيضا في السويس، وهما أنجي وأمينة رشيد، من أحفاد أرباب القصور في مصر، هل تلك مصادفةٌ مؤلمةٌ كي ينتهي أصحاب الصرخات من أبناء الطبقة الوسطى وبناتها الذين أشبعونا نحيبا وعويلا ولطما على ضياع الطبقة الوسطى، بعدما تحوّلت الي الحضيض؟ "ودخلت إلي شبرا في الليل بصحبة أمينة رشيد، وتوجّهت إلى الشقة. دخلت حجرة السيدة وزوجها فوجدتها ذات جمال خاص على الرغم من بساطتها، كان في الغرفة سرير عروسة "بمبة" وطبلية للأكل عليها، وكليم يغطّي الأرض في غاية البساطة، وقد أغراني جمال هذه الغرفة فرسمتها، فكانت هذه إحدى لوحاتي الهامة التي أحبها".

وتذكر أنجي أفلاطون في سيرتها: "في يونيو عام 1946 سافرت مع والدتي بالباخرة إلى فرنسا، كان هدف أمي من الرحلة زيارة بيوت الأزياء المشهورة في باريس، وكذلك تمضية فترة من الراحة والاستجمام مع أختها، خالتي أنجي، أما أنا فكانت باريس بالنسبة لي محطّة على الطريق، كنت ذاهبة أصلا الي براغ، لحضور أول مؤتمر عالمي للطلبة بعد الحرب العالمية". والأكثر دهشة من فتاة أرستقراطية تمثل وفد الطلبة في سنة 1946 أن يكون على الطرف من رصيف الإسكندرية عدد من أصدقاء العائلة، ومنهم إسماعيل صدقي رئيس وزراء مصر نفسه، وهو جد أمينة رشيد التي صاحبتها إلى غرفة هروبها بعد حوالي عشرين سنة في عز جبروت الحقبة الناصرية وسجونها وانتقامها من الجميع. والطريف أيضا أن يكون الوفد المصري الذي سوف يلحق بأنجي أفلاطون بعد أيام يتم اعتقاله في حكومة اسماعيل صدقي نفسه، أما قطّة أنجي أفلاطون، والتي حاولت أن تأخذها معها إلى السجن، فكان اسمها مطالب. وهكذا حاولت أن تقنع الضابط، وتعطي السجّانة هديتين من باريس، كي تجعل الصفقة تمر بسلام، المنطق القويم ذاته حينما ذهب الضابط الشاب لاعتقال أمينة رشيد في أحداث سبتمبر 1981، قالت له بأدب ومنطق لم يألفه الضابط، ولا سمعه من قبل، وظل مندهشا منه ومنها: "حاضر يا بابا بس أنا الوقت بانقل العفش لشقة تاني، وبعد ما أنقل هكون عندكم في القسم". لم يستوعب الضابط منطق الكلام عند أمينة رشيد، كما لم يستوعب الضابط الثاني في سنة 1962 حكاية أنجي عن القطة "مطالب"، ولا حتي السجّانة استوعبت هديتين من باريس من أنجي لها، من أجل السماح لسجينة بقطة اسمها "مطالب". أما الأمر كله فيصير مادة للضحك لو عاشت أنجي ورأت حال السجون الآن في سجن العقرب مثلا، حينئذ قد ترمي ألوانها وريشتها في نهر النيل من شباك غرفتها بسجن القناطر، ولا كانت أتعبت نفسها ورسمت، خصوصا أن 46 لوحة من متحفها قد تمت سرقتها قبل سنوات، ولم تصل التحقيقات حتى الآن إلى السارق أو المتسبّب، وتلك حقيقة أخرى للضحك والنسيان.