زيارة حماس الرباط من زاوية الاتفاق الثلاثي

زيارة حماس الرباط من زاوية الاتفاق الثلاثي

22 يونيو 2021
الصورة

وفد "حماس" مع مسؤولين في حزب العدالة والتنمية في الرباط (17/6/2021/الأناضول)

+ الخط -

من حق الدبلوماسية أن تبحث لنفسها عن صوتٍ، عندما تخرس المدافع. ذلك ما تعيه حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بيد أن مجيء وفد من الحركة، يقوده رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنية، إلى المغرب، يعطي من الإشارات السياسية الجديدة أكثر مما يوحي به من ثوابت عاطفية. أولا: تأتي "حماس" إلى المغرب بعد أقل من شهر على المعركة الضارية التي دامت 11 يوما، تحت مسمّى "سيف القدس"، وكانت امتحان قوة كبيراً بين الحركة وإسرائيل. وتأتي أيضا بعد أقل من ستة أشهر على استئناف العلاقة بين هذه الأخيرة والمغرب، في إطار الاتفاق الثلاثي الذي جمعهما مع الولايات المتحدة الأميركية، والذي اعتبرته "حماس" خدمة مجانية لإسرائيل، وذهب أحد متحدّثيها (حازم قاسم) إلى حد اعتبار الخطوة "خطيئة سياسية". التحول الأول هنا أن القيادة نفسها صارت تعتبر أن المغرب عمق استراتيجي للقضية الفلسطينية، ليس من السهل تجاوزه.
ثانيا: لم تستسلم الرباط إلى دبلوماسية "الراحة الخادعة" في أثناء المعركة أو انتظرت أن تضع الحرب أوزارها في فترة الاشتعال، لتشتغل آلتها الدبلوماسية من بعد، بدون أزيز الطائرات ورعود المدافع، كان العاهل المغربي قد بادر إلى إرسال مساعداتٍ مهمة إلى الفلسطينيين، معلنا بذلك وقوفه إلى جانبهم باعتبارهم الطرف المظلوم في حربٍ أحادية، ليست هي الحل، كما ورد في بيان الخارجية المغربية.

قال هنية، بعد وصوله إلى المغرب، "لدينا ملفات على طاولة جلالة الملك"، وهو إقرار واضح بأن الزيارة ذات مضامين سياسية ودبلوماسية، تهم القضية.

ثالثا: في توقيع الاتفاق الثلاثي، كان ملك المغرب محمد السادس قد أصرّ على أدوار السلام التي يسعى إليها، في قضيةٍ من أعقد القضايا التي تواجهها البشرية في القرنين الأخيرين، وفي سياق ذلك: أبلغ رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، بمضامين الاتفاق، في الوقت الذي تبادل فيه المكالمة مع الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب. وأصر الملك على وضع القضية الفلسطينية في المرتبة الوطنية ذاتها للقضية الأولى للمغرب، أي وحدة أراضيه وترابه وحقه في صحرائه، ليعيد التذكير بثابتٍ من ثوابت الموقف المغربي، وأحد الأعمدة في بناء هذا الموقف، وهو أولوية القضية الفلسطينية في تقديرات المغرب. أعاد التذكير بثوابت الموقف المغربي، للرئيس الجديد للحكومة الإسرائيلية نفتالي بينت، واغتنم برقية تهنئة للأخير، ليشدد على "حرص المملكة المغربية على مواصلة دورها الفاعل ومساعيها الخيرة الهادفة إلى خدمة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط". وقد تزامن وصول وفد "حماس" مع الرسالة الملكية، وهو تزامن لا يمكن إغفال سياقاته في التحرّك الدبلوماسي، وهو ما جعل إسماعيل هنية يقول، بعد وصوله إلى المغرب، إن "لدينا ملفات على طاولة جلالة الملك"، وهو إقرار واضح بأن الزيارة ذات مضامين سياسية ودبلوماسية، تهم القضية.
ومن المثير هنا أن يشار إلى قضيتين أساسيتين: أن المُوقِّع الرئيسي على الاتفاق الثلاثي، الولايات المتحدة، يعتبر "حماس" منظمة إرهابية، وهو ما يجعل منها عدوا رسميا لواشنطن، كما يجعل أي حديثٍ معها من باب المستحيلات إلى حد الساعة. ويجب ألا يغيب عن ذهن المتتبع أن الرباط رفضت زيارة رئيس حكومة الاحتلال السابق بنيامين نتنياهو، في أثناء توقيع الاتفاق الثلاثي، على الرغم من كل التصريحات والمنشورات عن زيارته واستقباله المحتمل من ملك المغرب، وهذا الموقف يكتسي اليوم دلالة أكبر، باعتبار أن نتنياهو كان يعوّل على استئناف العلاقات لتحقيق انتصار انتخابي. ولعله لم ينس يوم كان الملك الراحل الحسن الثاني قد دفع بتصويت عقابي ضده في 1996، حيث قال إنه "لا يحبذ أن يتم التصويت لمن هم ضد السلام".

راكم المغرب، تاريخيا، أسلوبا وعقيدة محض مغربيين في التعامل مع القضية الفلسطينية، بما يشكل عنصر تعاقد وطني واسع بين الحكم والطبقة السياسية والشعب

القضية الثانية أن المغرب لم يستسلم عند استقباله وفد "حماس" للوضع الدبلوماسي المريح بإغفال هذا المعطى، أو تفاديه في مرحلةٍ ذات حساسية كبيرة بالنسبة لقضيته الوطنية، الصحراء المغربية، وتصاعد التكالب عليه، بدعوات مفتوحة للإدارة الأميركية الجديدة بالتراجع عن الاعتراف بسيادته على أقاليمه الصحراوية، وخصوصا أن جاريه معا، الجزائر وإسبانيا، تبنيا دعوة مفتوحة إلى ذلك، إضافة إلى ألمانيا البعيدة التي عقدت جلسة لمجلس الأمن بهذا الخصوص، وتمنع أي توجه مثل التوجه الأميركي داخل الاتحاد الأوروبي. وطبيعة موقف المغرب في قضيته الترابية، بالوضوح والحزم اللازمين، هو ما نلمسه في التعامل مع القيادة الفلسطينية التي قادت المواجهة، بما هو تصريف حقيقي لمقولة فلسطين قضيةً وطنية، حيث لا يفضل عليها قضية الصحراء. ولربما كان "الحذر" الدبلوماسي يستوجب بعض التريث، لكن ذلك لم يحصل، بل نشطت المبادلات بين الفلسطينيين، بكل مقوماتهم المؤسساتية، والرباط. والواضح أن المغرب، في هذا الباب، يريد أن يعبر عن استقلالية ملموسة في القضايا الجوهرية، ولا يساير بالمطلق أطراف الاتفاق الثلاثي، الذي اختارته هذه المقالة زاوية لقراءة الزيارة الحمساوية.
تاريخيا، راكم المغرب أسلوبا وعقيدة محض مغربيين في التعامل مع القضية الفلسطينية، بما يشكل عنصر تعاقد وطني واسع بين الحكم والطبقة السياسية والشعب، مفاده العمل من أجل حل الدولتين، والانحياز إلى السلم، وهو السلوك نفسه الذي يسلكه في شؤون قضيته الوطنية، الصحراء. وتعي حركة حماس أن الزمن الدبلوماسي يلي الحرب بالقوة والفعل، وبعض حلفائها يريدونها للحرب. ويريدها آخرون للتفاوض، وهي عندما زارت قيادتها القاهرة والرباط، كانت تعلم أن الزمن الحاضر هو زمن التفاوض وتسليك الطريق إليه، في وقتٍ تريد منها طهران وأنقرة التفوق الرمزي من خلال مساندة المقاومة على الأرض. كما أن المغرب يعرف أن طهران لم تتردّد في استعمال الورقة الفلسطينية مع "حماس" في تأليب الرأي العام الإسلامي، خصوصا باسم الممانعة والمقاومة، ضد الرباط. ولا يمكن أن يُغفر لإيران أنها سعت إلى تسليح جبهة بوليساريو، عن طريق التعاون مع الجزائر، باعتبارها الحاضنة الرسمية لهذه الجبهة الانفصالية، الشيء الذي أدّى إلى ما أدّى إليه من قطيعة معلنة.

زيارة وفد "حماس" ورقة مريحة في وجه الذين يحاربونه من القوى الإقليمية والجيران باسم ما يسمى "التطبيع"

وبالنسبة للمغرب، العلاقات مع مكونات الساحة الفلسطينية، مع احترام استقلالية قرارها، تقوّي موقعه داخل الاتفاق الثلاثي، ويجعل من زيارة وفد "حماس" ورقة مريحة في وجه الذين يحاربونه من القوى الإقليمية والجيران باسم ما يسمى "التطبيع". وإذا تحول موقف الحركة الإسلامية نفسها من طبيعة الاتفاق، فإن الذين يرفعون السلاح في وجه المغرب باسمها لا يمكنهم أن يواصلوا حروبهم الدونكيشوتية ضده.
والواضح أن الرباط تقوم، في الفترات الحرجة، بقراءة جيواستراتيجية لموقعها، فقد حدث ذلك بعد الربيع العربي، وفي قمة الرياض الخليجية المغربية في إبريل/ نيسان 2016، عندما نبهت إلى التحالفات الجديدة التي تبنى في الدائرة العربية الإسلامية، قد تعصف بالعالم العربي، في موجةٍ ثانيةٍ من تدمير مكونات الدول، وقد قال ملك المغرب في القمة إن هناك تحالفات جديدة قد تؤدي إلى التفرقة، و"إلى إعادة ترتيب الأوراق في المنطقة"، مشدّدا على أن له قراءته الخاصة للتحولات المرتقبة، من باب أن المغرب حرّ في قراراته واختياراته، وليس محمية تابعة لأي بلد، و"سيظل وفيا بالتزاماته تجاه شركائه الذين لا ينبغي أن يروا في ذلك أي مس بمصالحهم".
وفي خلاصة الأمر، التحولات المقبلة ستمسّ "حماس" نفسها، داخل الخريطة السياسية لفلسطين، أو داخل الرقعة الكبرى للشرق الأوسط، وهو ما قد يجعلها منذورةً للعب دور حيوي في مفاوضات العودة إلى السياسة، كما يراها فريق البيت الأبيض الجديد الذي أكد "التزام الولايات المتحدة بتعزيز الشراكة الأميركية الفلسطينية". ولا شيء يمنع من أن تكون للحركة أدوار أقوى، عبر مخاطب مقبول لدى الأطراف المتصارعة، كما لدى الإدارة الأميركية الجديدة، وعزّز ذلك تصريح وزير خارجية الولايات المتحدة أنتوني بلينكن، عن "الدور المحوري للمغرب في تعزيز السلام والاستقرار في الشرق الأوسط".