رسالة إلى الجنوب اليمني العربي الشقيق

رسالة إلى الجنوب اليمني العربي الشقيق

02 نوفمبر 2021
الصورة

نقش على الخشب يصور ميناء عدن في جنوب اليمن عام 1893 (Getty)

+ الخط -

على مدى عقود، علمتني الأيام الكثير، في حسم الرأي النهائي أو التقدير الدقيق للأحداث، وبالذات الأحداث السياسية، فكلما ازدادت الخبرة ومراقبة التاريخ السياسي، ثم مآلات ما بعد الموجة الأولى للحدث الكبير، زاد توقفك وتأملك وشروط المهنية الشخصية لقلمك. وحين يغيب الفهم في أنثروبولوجية المجتمع، وفي التاريخ الاجتماعي، وليس السياسي فقط، عن معادلة الكاتب والمحلّل السياسي، فإن مساحة الخطأ تتمكّن في رؤيته للتحليل السياسي لأقطار الوطن العربي أو أقاليمه.
وقد يطرح المحلل السياسي منظومة تصوّر محددة المعالم، بناءً على أنّ ماكينة الصراع تتجه، عند هذا الفريق أو النظام السياسي العربي، إلى زاوية تقدير مصلحية واضحة، وبالتالي يُقدّم نظريته للقارئ المهتم، تماماً كما كنا في حرب اليمن أخيرا، إذ إنّ الإيرانيين داهموا الواقع الوطني بكل مكوّناته، بعدما أنجز اليمنيون إطاراً مهماً وتاريخياً في حوارهم الوطني، كان من الممكن أن يكون لحظة فاصلة للتاريخ اليمني المعاصر. غير أن فكرة المشروع الطائفي كانت لها حسابات أخرى، التقت، في لحظةٍ، مع طموح النظام الرسمي في الخليج العربي الذي كان لا يرغب في تثبيت منظومة مدنية سياسية أكثر استقراراً لليمن الجمهوري، وظن أن دخول الحوثي العسكري على صنعاء لن يتجاوز الاشتباك لأسابيع تصفّى عبره قوة حزب التجمّع اليمني للإصلاح، ويتراجع التوافق المدني إلى مستوى نزاعٍ أكثر تعقيداً، وأفضل لصالح إعادة الرداء السعودي الذي لم ينقطع منذ عهد الإمام.

جزء من الصراع كان شمالياً - شمالياً، ليس مع الحوثي فقط، ولكن لميراث الانتماءات والمصالح الصعبة

ومع إدراك الرياض خطأها الكارثي اندلعت الحرب، بعد أن اجتاح الحوثي مديريات صنعاء، فكان السياق الطبيعي الممكن أن يقوم على الأرض إسناد المقاومة اليمنية وإعادة تجميع الجيش الوطني، وترك مساحة التدافع لأبناء الشعب، ليس لحربٍ مفتوحة، لكن لردع القوة الغاشمة الظالمة، وهي معادلة لم تكن مستحيلة بل كانت قابلة للتطبيق، وبكلفة أقلّ للسعوديين وغيرهم، فما الذي جرى؟
لقد أُخلّ بميزان الحرب مبكراً، وتدخلت الرياض في خطة الحرب تفصيلاً، وحيّدت قرار القوى الشمالية، ثم تعقّد وضع التكتلات الشمالية نفسها، في ظل غيابها المستمر عن أرض الوطن، حتى قبل اندلاع المواجهة مع الرفض الجنوبي، بل إن جزءاً من الصراع كان شمالياً - شمالياً، ليس مع الحوثي فقط، ولكن لميراث الانتماءات والمصالح الصعبة، وهي قضيةٌ يطرحها الإخوة من التيارات السياسية المتعدّدة في الشمال، وتُمطر بها صفحاتهم. لكنّ المشروع الجنوبي ساهم قطعاً في تمكين الآلة الخليجية التي كانت تسعى إلى التمكّن من القرار النهائي في اليمن أو الصراع عليه، لأجل مصالحها المتعدّدة التي تشمل بلداناً خليجية عدة. ساهم ذلك كله في تهشيم أرض الجغرافيا المواجهة للمشروع الإيراني الطائفي التدميري، وهو تدميري لأنّه يغزو الإنسان في إرادته، وفي ولائه الديني والوطني، فيتحوّل إلى قالبٍ في أحجار الشطرنج، يتهاوى بقرار من طهران، ويُعاد صفه بقبضتها. أما الاحتلال الضمني المهيمن أو الموظف خليجياً، فأحسب أنّه، في الأمس واليوم، يعجز عن صناعة خلطة ولاء كلي، لكن لعبة المال ومعيشة الناس أسهل طريق إلى الاستحواذ.

العقل السياسي المسؤول يؤطر كفاحه لأجل المصالح الممكنة المشتركة

من هنا، وعلى الرغم من علاقتي الممتدّة بالإخوة في الشمال، دعوتُ، في وقت مبكر، إلى استيعاب القضية الجنوبية، منذ أول أيام الحرب، وقلتُ إن هناك مساحة كبيرة لمرحلةٍ انتقاليةٍ فدرالية، يعقبها التصويت على تقرير المصير بمدة كافية، وهي فرصةُ ليست للشمال ولليمن الجمهوري الموحد فقط، بل للجنوب نفسه، أنه في لحظة سرقة إيران الوطن والإنسان، كل إنسان، فإنّ العقل السياسي المسؤول يؤطر كفاحه لأجل المصالح الممكنة المشتركة.
لقد سمعت وشهدت حواراتٍ وتدويناتٍ عديدة في ظل هذا الصراع المتعدّد. وكان واضحاً أنّ هناك إرثاً إقطاعياً بغيضاً وعنصرياً، لم يمارسه شعب الشمال، إنّما الإقطاعيون في النخبة السياسية. وقد برز هذا النقد بوضوح في التيار التنويري في نخبة الحركة الثقافية التي طرحت رحلة الإقطاع البرجوازي لمشيخات اليمن وزعمائه. وكان هذا النقد يصدر من أبناء حزب الإصلاح نفسه ضد آل الأحمر، وحتى رؤية الدفاع البرجوازي القبلي لم تكن تنفي هذه التهمة، بل كانت ترى أنّه إقطاعٌ مشروع ضمن نسيج اليمن الاجتماعي، وتماهيه مع مشيخات الخليج القبلية.

لا يمكن أن يُنقل اليمن إلى بناء مدني أكثر سعةً لصالح الشعب وتقدّمه ونهضته، من دون حضور قيم الإسلام وحضور القبيلة نفسها

وهنا أعود إلى مقدّمة المقال، فمن الصعب أن تتخذ موقفا نهائياً، من الحدث السياسي ومن موقف شخصياته، إذا كانت رغم استبدادها أو فسادها الجزئي، قد شكّل موقفها شراكة لوحدة اليمن الاجتماعية، في إطار التنظيم القبلي الأقوى، والذي يهدمه الإيرانيون اليوم، أو يحوّلونه إلى جموع تتبرّك بحذاء أئمة التخلف الحوثي، بالضبط كما جرى من برنامج طهران في عشائر العراق، فالحكم على بيت الأحمر يتأرجح لدينا ضمن جهودهم الإصلاحية، وشراكتهم مع الرئيس علي عبد الله صالح التي استُثمرت في البرجوازية القبلية. لكنّ إدانة إقطاعهم فريضة مبدئية، وهو يفتح السؤال الكبير: هل كان التحام الحركة الإسلامية في اليمن تحت الزعامة القبلية قراراً صحيحاً أم خاطئاً؟
هذه مسألة تحتاج للتحرير، فبقية الأفرع الحزبية في الوطن العربي، كانت أقلّ نجاحاً في انكفائها الخندقي الدعوي، فأين مساحة الصواب وأين مساحة الخطأ؟ هي من مسؤولية التيارات الإسلامية والمدنية في اليمن، على أنهم جميعاً اليوم يحتاجون أن يستذكروا أن هذا اليمن بكل أقاليمه، لا يمكن أن يُنقل إلى بناء مدني أكثر سعةً لصالح الشعب وتقدّمه ونهضته، من دون حضور قيم الإسلام وحضور القبيلة نفسها، فالمهمة هي كيف يُعزل التوظيف الديني المضلّل ضد الإنسان والعصبية القبلية ضد الحقوق، ويواصل شبابها المثقف مسيرة الإعداد لحلم النهضة الحزين.
ليس هذا المقال مقدّمة، لكنّه الجزء المدخلي المهم لفهم أسئلة الجنوب اليمني العربي، وطموحه في الاستقلال، وما الذي عمّق الفكرة في مناضليه، فقبل أن نتحدّث عن المجلس الانتقالي وتوظيفه السياسي، يجب أن نفهم مركز الجرح الجنوبي القديم.