ديمقراطية مصرية بطعم الله أعلم

26 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ألف: بقدرة الله "ليلا"، يُزاح العالِم، دكتور حسن الشافعي، عن رئاسة المجمع اللغوي، ويصعد دكتور صلاح فضل "رجل الساعات الأخيرة"، بقوة "القرع" للرئاسة. وهذا ليس غريبا على دكتور صلاح، رجل الحداثة الأسلوبية والجوائز الإماراتية بامتياز في بر مصر "ليلا ونهارا وفي منتصف الليل أيضا"، ابتداءً من اعتبار رواية مي التلمساني "سيرة"، ومكتوب على غلافها "رواية"، واستحداث فرع معاصر جدا في جائزة الدولة التشجيعية تحت اسم "السيرة"، نحتها العم صلاح وحده فقط والله، ثم تنسى جائزة السيرة بعد ذلك إلى الأبد، ثم اعتبار رسالة الموسيقار نصير شمة "رسالة دكتوراه"، بعدما كبرت عضلاتها ليلا بفعل الهرمونات الحداثية للوتر السادس لعود زرياب، وكانت في الأصل مقدَّمةً باعتبارها، ماجستير فقط.. مَن فعل ذلك كله ليلا تحت سمع الديمقراطية الأدبية والجامعية في مصر وبصرها، أليس قادرا أن يصير رئيسا للمجمع اللغوي رغم أنف ديمقراطية الأعضاء وأصواتهم؟

باء: نال الدكتور عبد الرحيم علي درجة الدكتوراه، "ليلا" أيضا. لا تسألني عن الجامعة أو اللجنة المناقشة، ولا في أي فرع نالها، فقد نالها وخلاص، وعلى المتضرّر اللجوء إلى القضاء، إن كان هناك أي متضرّر أصلا. ودخل منطقة الدقّي، ليلا أيضا، منذ سنواتٍ خمس مترشّحا في البرلمان. ونجح من أول ساعتين في الفرز، بأصوات "180 ألفاً من المحبين والمعجبين بعبد الرحيم وكرمه الحاتمي على فقراء المنطقة". ولا تسأل عن "ماله السياسي أصلا"، فقد باع مائة فدّان من أجود الأراضي بأرض سلطان، ليلا أيضا. وهو ابن فقراء من أبو هلال في المنيا أصلا، وتلك إرادة الله أيضا. ولا تسأل عن الأسباب، لأنك سوف تدخل دائرة الكفر والعياذ بالله. وبعدما ترعرعت الديمقراطية في خصلات شعر عبد الرحيم علي، وصار له مركز بحثي ودراسي وسياسي في باريس والإمارات، يحصل من شهر في منطقة الدقي نفسها على "17 ألف صوت فقط"، ويخرج راسبا بعد ساعتين من الفرز أيضا. أبعد ذلك تسألني كيف بنى المصريون الهرم، وباعه المرحوم محمد مرسي عدّا ونقدا؟ 
تاء: كان مرتضي منصور هو محامي العاصمة ورئيس نادي القرن مع ابنه، وأيضا عضو البرلمان مع ابنه، وكان يجهز حفيده للأهلي، تحت السلم. وفي ليلةٍ وضحاها، خرج مرتضى منصور من رئاسة نادي القرن، وأخذ معه ابنه، وخرج أيضا من البرلمان، وأخذ معه ابنه، بالشفافية والقانون والغيتار والعود أيضا. أبعد ذلك تسألني كيف باع مصري خفيف الظل المترو لواحد صعيدي من أرمنت؟
أخيرا وليس آخرا، وتلك مناطق الحزن التي لا بد منها في هذه الأيام السوداء: كي يعتبر الناس في هذه البلاد. يموت الأدباء في مصر بعد الوحدة والمرض، كسائر الناس، من هول جرعات الديمقراطية التي تكون، في بعض الأحيان، قد زادت عن الحد المسموح باستحماله أو تجرّعه. وقبل أيام، مات الكاتب سعيد الكفراوي. كان حكّاء من ريف الدلتا. جاء كي يحكي عن "جمل عبد المولى"، في المدينة. ويحكي مثلا عن ساقيةٍ نبتت تحتها ليلا فتاة جميلة تظهر، ليلا، بشعرها الطويل الذي يلفّ مع الساقية طول الليل. ورجل من بعيد يغني أو يبكي في شجن، ولا يقترب من الساقية. والفتاة في الليل تراه بوضوح، وتمدّ له يدها بالماء، وهي العطشانة. والرجل يغني رغم أنه جائع وحزين وشعر الفتاه يلف حول حديد الساقية، حتى الفجر. هكذا في كل ليل. حتى جاء تاجر وفكّ الساقية، وباعها كخردة في بولاق أبو العلا. من بعدها لم تظهر ثانية الفتاة، وقيل إنها غرقت في النيل، أو دفنت تحت الساقية، وهذا ما لم يؤكّده سعيد ولم ينفه، سواء أماتت أو تم دفنها، ككل حكايات سعيد التي يحكيها كل مرة بشكلٍ مختلف للأصحاب أنفسهم، ضاحكا وكريما ومحبا. هكذا ذهب سعيد إلى بئر حكاياته، كي يزور الموت الذي طالما حكى لأصحابه عنه.