دولة طارق البشري الغائبة

01 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

يقول مثل فرنسي إن البلهاء فقط هم من لا يغيّرون أفكارهم. .. ولكنّ الوصوليين فقط من يغيّرون أفكارهم لمنافع ومصالح، والركيكون من يتخلّون عن المبادئ وقيم الحق والعدالة والحرية والجمال. وعندما كان الفقيه القانوني والمفكّر المصري، طارق البشري، الذي رحل أول من أمس عن 88 عاما، ذا نزوعٍ يساري علماني، في مواقفه وكتاباته الأولى، أقام على نزاهةٍ فكريةٍ ومتانةٍ مبدئية. ثم لمّا انعطف، سيما بعد هزيمة 1967، إلى نزوعٍ إسلاميٍّ ظاهرٍ في شخصه، ظلّ على رهافة حسّه الديمقراطي ومبدئيته في تطلّعه إلى العدالة. ولذلك يبقى طارق البشري، الذي عاين نقصان الديمقراطية سببا في عدم اكتمال مشروع الاستقلال الوطني في ثورة 23 يوليو (1952) في مصر، هو نفسُه الذي تحدّى نظام حسني مبارك، غير مرّة، وأفتى، وهو القاضي، والفقيه الدستوري العتيد، وعضو مجلس الدولة، بتقييد يد رئيس الدولة في إحالة جرائم إلى القضاء العسكري. وبعد ثورة يناير، ومع انتصاره لشبابها وللسلطة المدنية المنتخبة، جَهَر ببطلان الإعلانات الدستورية التي أعلنها الرئيس، الإسلامي، محمد مرسي، في أغسطس/ آب ونوفمبر/ تشرين الثاني 2012، وقال إنها تضمّنت تجاوزا للسلطة يمارسه رئيس الجمهورية. ثم لمّا صارت واقعة 3 يوليو (2013)، سمّاها باسمها، انقلابا عسكريا صريحا "مكتمل الأركان"، ورَفَضَه بشكل محسوم. وعند ارتكاب مجزرة ميدان رابعة، قال إنها نتيجةٌ طبيعيةٌ لهذا الانقلاب. وشخّص المشهد بأن قوى الاستبداد تحكم مصر بغير دستور، وبغير إرادة شعبية حقيقية.
لم يكن الرجل الوافر الرّقّة واللطف، في وصف نادر فرجاني له، يعلن مواقفه تلك، صدورا عن اصطفافاتٍ سياسية، ولا من موضع الفاعل السياسي، وإنما من سمْته الخاص، رجل قانون ودستور وحسب، أي رجل حقوقٍ وعدالة، فلم يقدّم يوما هواه اليساري القديم، ولا هواه الإسلامي التالي، على قناعاته بالتعدّدية في مصر، وبائتلاف الجميع تحت سقف القانون واستحقاقاته، تحت سقف دولةٍ ديمقراطيةٍ عادلة. إذا كان قد تبنّى "الإسلامية الوطنية"، فإنه لم يعن بها فرض فكرةٍ إسلاميةٍ على المجتمع، وإنما رآها الحامل الأقدر على استيعاب المرجعيات والولاءات المتعدّدة في المجتمع. ومن العجيب في الذين رموا طارق البشري بـ"إسلاميته" رأوا في رفضه انقلاب 3 يوليو شاهدا على ميولٍ "إخوانيةٍ" فيه، فلم يلحظوا أن الرجل، في موقفه هذا، كان ينسجم مع تكوينه القانوني وفكره الدستوري، أي مع ثقافته التي توطّن عليها جهدُه في مؤلفاته ومقالاته، وفي عمله قاضيا، وقبلهما وبعدهما، مع رؤيته الدولة التي يلزم أن يعكس دستورُها القوى الحية في المجتمع، على ما كتب، سيما أنه ألحّ على اعتبار الديمقراطية مطلب المصريين في ثورة 25 يناير. ومن عجائب أخرى أن ينتقص نقّادٌ للرجل من قيمة تعديلاتٍ على دستور 1972، أجرتها لجنةٌ برئاسته (حدّدت المواد المطلوب تعديلها)، أوكل المجلس العسكري، عقب ثورة 25 يناير في 2011، لها هذه المهمة، فيما يصمت هؤلاء عن انتهاكٍ مكشوفٍ أعمله عبد الفتاح السيسي في الدستور الذي صاغته لجنةٌ موسّعةٌ اختارتها أجهزته بعد الانقلاب، لمّا مدّد ولايات الرئيس، في تفصيلٍ مفضوح لشخصه.
ربما كان أكثر ما يلحظه دارسو طارق البشري، في مؤلفاته في تاريخ الحركة السياسية في مصر، وفي الديمقراطية والعروبة والإسلام، والجماعة الوطنية، والأقباط، أنه انتبه كثيرا إلى الحراكات والقوى والتمثيلات الاجتماعية. وظل، ضمن شواغله هذه، مهجوسا بتعايش التعدّد، وإدارة الاختلاف، وتنظيم قوانين التدافع الاجتماعي والسياسي، في دولةٍ لا يتعيّن أي إصلاحٍ فيها بغير الديمقراطية، و"عبر الحركات الشعبية التي تصل بالطريق الدستوري الصحيح إلى الحكم". والأرجح أن رؤيته هذه كانت تحكُم قناعته بأن أي إصلاحاتٍ تتم بغير كيفياتٍ ديمقراطية، مثل الانقلابات العسكرية، مهدّدة بالزوال. .. ومن هذا المنظور، تصبح الدولة الراهنة في مصر غير التي سكنت مدارك العالم المستنير، عقودا، وهذا بديهي، بالنظر إلى المنظومة الاستبدادية الحاكمة في هذه الدولة. ما ينسحب، بمستوياتٍ متباينةٍ، على كل دولةٍ قامت في مصر قبل هذه، إبّان ناصرية ما بعد 23 يوليو (1952)، وتاليا في أثناء إصلاحات أنور السادات وحسني مبارك الديكورية، وقد رأى في غضون الأخيرة جواز العصيان المدني السلمي، ثم مع "أخطاء" الإخوان المسلمين، سيما "عدم تقديرهم الظروف السياسية"، كما كان يقول، وهو الشجاع المستقيم.