حكومة ميقاتي و"المساكنة السياسية" في لبنان

حكومة ميقاتي و"المساكنة السياسية" في لبنان

17 سبتمبر 2021
الصورة

عون يلتقي الحكومة برئاسة ميقاتي في قصر بعبدا (13/9/2021/الأناضول)

+ الخط -

بعد 46 يوماً على التكليف، و14 لقاءً مع رئيس الجمهورية ميشال عون، أبصرت حكومة نجيب ميقاتي النور، معلنةً دخول لبنان مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز "المساكنة السياسية"، وذلك على أثر التسوية الكبيرة التي شهدها بازار التأليف الحكومي، بعد الضغط الإقليمي والدولي، والتنازلات المحلية التي أعقبت أياما من السوداوية والتعقيد، الأمر الذي يطرح علامات استفهام عديدة بشأن قدرة هذه الحكومة على نقل البلد إلى مرحلة جديدة، وخصوصا أنّ الأزمة اللبنانية مركّبة ومعقّدة، وقد تحتاج الحكومة أقلّه لسنة لتحمّي محرّكاتها، وتبدأ ولوج باب الحلول المُستدامة، ليبقى التساؤل الأهم هنا: هل تملك هذه الحكومة الأدوات والمقدرة على حل أزمة لبنان المعقدة والمركّبة؟ أم أن تشكيلها جاء لإدارة الأزمة اللبنانية إلى حين موعد الانتخابات النيابية، وإنتاج سلطة سياسية جديدة؟

لتقديم الإجابة عن هذا التساؤل، يمكن الانطلاق من بعض المسلّمات الضرورية، وهي أنّ قيام حكومة جديدة في لبنان، وبغض النظر عن تركيبتها وتسميتها وأشخاصها، تحل محل حكومة تصريف الأعمال "الميتة سريرياً"، يبقى أفضل من الفراغ الذي يولّد انعدام الوزن للبلد ولسائر القوى السياسية فيه.

صحيحٌ أن الحكومة الجديدة قد لا تلبّي طموح الأغلبية الساحقة من اللبنانيين، ولن تكون قادرةً على ابتداع الحلول للأزمة، إلا أن تشكيلها يبقى أفضل من البقاء من دون حكومةٍ على قاعدة حكومة المفاضلة ما بين السيئ والأسوأ، فولادة حكومةٍ جديدةٍ في لبنان تُدشّن دينامية جديدة لمحاولة إدارة الأزمة، ولو مرحلياً، في شكل توفير شروط الصمود للبنانيين، وخفض وطأة أضرار الانهيار الاقتصادي الذي غرق فيه اللبنانيون منذ سنتين، وفي مقدمته التفاوض مع صندوق النقد الدولي، لتأمين المؤونة المالية لتغطية كلفة اعتماد البطاقة التمويلية، ولحل أزمة الوقود والكهرباء.

ما زال تحالف قوى 8 آذار بقيادة حزب الله يتمتّع بنفوذ وازن في الحكومة، فهو يملك ثلثي الحكومة

 

من ناحية القوى السياسية في لبنان، وفي ميزان الربح والخسارة أيضاً، تعتبر القوى السياسية الرابح الأكبر، على اعتبار أن تشكيل الحكومة يبقى أفضل الخيارات الممكنة لاستمرارية عمل هذه المنظومة ونهج المحاصصة. وفي احتساب موازين القوى أيضاً، ما زال تحالف قوى 8 آذار بقيادة حزب الله يتمتّع بنفوذ وازن في الحكومة، فهو يملك ثلثي الحكومة، وهذا عدد يزيد عن الثلث المعطل الذي جرى الحديث عنه أكثر من سنة، وهو قادرٌ على التحكّم بكامل قراراتها الحكومية بالغة الأهمية.

يعتبر ميشال عون، على سبيل المثال، والذي عطّل تشكيل الحكومة ما يزيد عن سنة، أن تشكيلها بهذه الطريقة وهذه التركيبة أفضل من الفراغ، فهو لا يريد تمضية عامه الأخير في القصر الرئاسي مفتقراً أداة تنفيذية، تحمل عنه وعن التيار الوطني الحر مسؤولية عرقلة سير الأمور في البلاد، كما أنّ عينه على الانتخابات النيابية ومن بعدها الاستحقاق الرئاسي. لذا يراهن على الفترة الباقية من عهده، لتغيير وضعه على الساحة الشعبية. وعلى الرغم من أن الحكومة الجديدة قد لا تلبي طموح رئيس الجمهورية، ومن خلفه رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، ولا تشبه تلك التي كانا يحلمان بها أداة تنفيذية لمشروعهما الانقاذي للعهد في عامه الأخير، إلا أنّهما في الوقت نفسه حققا القسم الأكبر من شروطهما ومطالبهما، فشكلا حكومة سياسية بالمعنى غير المباشر، ونالا الثلث المعطل (سواء بشكلٍ واضحٍ أو مستترٍ)، كما أنهما أثبتا وخلافاً للتوجه القائل بأنّ صلاحية الرئيس تقتضي حصراً التوقيع على التشكيلة الحكومية أو رفضها، فكانا شريكين باختيار القسم الأكبر من الأسماء وتوزيع الحصص.

الحكومة الجديدة فصل من الصراع السياسي على السلطة وليس خطوة للحل

وبالتالي، سيكون تشكيل الحكومة الجديدة فصلاً من فصول الصراع السياسي على السلطة وليس خطوة للحل، على اعتبار أنه، برئاسة ميقاتي، لا يلغي هيمنة حزب الله وتفرّد التيار الوطني الحر في الحكم، أي أنّ مساحة تحرّكه ستكون ضيقة، طالما بقي العاملان السابقان موجودين. ومن هنا تنتظر قوى 14 آذار، إلى جانب قوى دولية عديدة، كالولايات المتحدة، الذين ارتضوا أخيراً "المساكنة السياسية" وتقطيع الوقت، الانتخابات النيابية المقبلة، لمحاولة فرض توازن جديد، وخصوصا على الساحة المسيحية، مستفيدين من تراجع شعبية التيار الوطني الحر الذي يشكّل سنداً لحزب الله، وغطاءً مسيحياً لسلاحه، إلى جانب زيادة الحصار على حزب الله، وعزله قدر الإمكان على الساحة الوطنية، بعدما تعذّر عزله داخل بيئته.

لذا تُوحي حيثيات تشكيل الحكومة الجديدة في ظل المعطيات المتوفرة حالياً بأنّه لا يمكن أن نتوقع أنّ حالة "المساكنة السياسية" قد تتحوّل مع قادم الأيام إلى زواج ماروني، كون أن ما ينتظر لبنان من ملفاتٍ على صلة بالوضعين المحلي والإقليمي، لا تحظى بتوافق سياسي حولها، لا بل إنّها تشكّل مادة قابلة للاشتعال، ما لم يُحسِن الفرقاء اللبنانيون التعامل معها.

في المحصلة، يمكن القول إن لبنان يعيش في ظل حكومة نجيب ميقاتي الثالثة حالة من "المساكنة السياسية"، هدفها تقطيع الوقت لإدارة الانهيار البطيء بأقل الخسائر، في انتظار موعد الانتخابات النيابية في 8 مايو/ أيار 2022، وتأمين الانتقال السلمي للسلطة فور انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون، والتي قد تشكّل مدخلاً مهماً لإعادة إنتاج واقع جديد في لبنان، بموازين مختلفة وسلطة مختلفة.