حرية التعبير والعنصرية معاً في فرنسا

24 سبتمبر 2020
الصورة

يعود الجدال مع إعادة نشر صور كاريكاتورية للنبي محمد، عليه الصلاة والسلام، في مجلة شارلي إيبدو، بشأن الخيط الرّفيع بين حرّية التعبير والعنصرية في بلد حقوق الإنسان والحضارة، فرنسا، ويعود معها ارتفاع الصّوت الفرنسي، بيمينيته العنصرية، إلى درجاتٍ لا يمكن وصفها، تسوّقها وسائل الإعلام، بكلّ أصنافها، وتتزايد حدّة ذلك الخلط بين الثنائية تلك مع احتدام الأزمات الاقتصادية منها، مع جائحة كورونا، من ناحية، والاستراتيجية/ الأمنية/ الدفاعية، من ناحية أخرى، مع انخراط فرنسا في أكثر من قضية دولية (الساحل، ليبيا، شرق المتوسط، لبنان، مستقبل الناتو، مبادرة الأمن والدفاع الأوروبية، الاتحاد الأوروبي)، وكلّها قضايا مفصلية، تؤكّد إلزامية فرض مكانة فرنسا وإدراكها قدراتها في العالم وبسبب فشلها المتواصل، يتم التّعامل باستراتيجية الإلهاء الإعلامي بالارتداد إلى الداخل، ونشر تلك الرسائل الإعلامية بالمضمون الذي يحاول الربط بين حرية التعبير المطلقة ورديفها الدائم، وهو العنصرية.

يكفي الاطّلاع على الصحف والمجلّات الفرنسية، أو مشاهدة قنوات إعلامية، الإخبارية منها والعامّة، في نطاق مضمونها، لنرى، بأمّ أعيننا، الخطاب الذي تريد نشره على الناس، كما يكفي تفكيك مقاربة الخطاب، شكلاً ومضموناً، لنعرف أنّ حرّية التّعبير والعنصرية لا يكاد أحدهما ينفك عن الآخر على ألسن وأقلام نخبة فرنسية، ترى الآخرين بأعين الدونية، وتكنّ وتكيل لهم كلّ التُّهم، وتلصق بهم عوار نقائص بلادهم في قضايا الاقتصاد والجيو سياسة، حيث تتهمهم، حيناً، بالإرهاب، الحقيقي والمحتمل، وأحياناً أخرى، بتهديد السلم الاجتماعي وانسجام المجتمع والقيم الحضارية لفرنسا. ومن فرط انسجام ذلك الخطاب واجتراره من نخب اليمين واليسار، على حد سواء، يمكن أن يُقال إنّ ثمّة سكريبت يتمّ توزيعه على أعلام تلك النُّخبة تماما، كما يتم ذلك فعل ذلك في منظومتنا الإعلامية في عالمنا العربي، لينطق بعضهم باللسان نفسه، ويكتب بالقلم نفسه، إنتاجاً لخطاب كله كراهية.

لا نريد حرية التعبير، أبدا، أن تكون جسرا لنشر خطابات الكراهية وإطلاق اللسان للعنصرية

هذا على مستوى شكل الخطاب وقنوات نقله، أمّا مضمونه فيمكن النظر إليه من خلال مقاربة تفكيك مزدوجة تتناول، بداية، طبيعة النخبة الحاملة ذلك الخطاب، ثم مضمون الخطاب نفسه، من حيث الإشكالات التي يتناولها والأساليب التي يستخدمها لإيصال ذلك الخطاب إلى الجمهور الواسع الفرنسي والفرنكفوني على حدّ سواء. وتتكون تلك النخبة من رجالات الفكر والمؤثرين على الرأي العام من الصحافيين، والإعلاميين والكتاب، الفرنسيين منهم والفرنكفونيين المنضمين إليهم فكراً وتعبيراً عن تلك الآراء، مضافة إليهم ثلّة من السياسيين، من مختلف الأطياف والتيارات السياسية، متفقين، جميعهم، على أن الآخر هو مناط الخطأ، القصور، التقصير والدونية، أياً كان هذا الآخر، لا سيما إذا كان مسلماً، عربياً أو شرقياً، على العموم، في تناغم تام مع صدام الحضارات الذي صوّره هنتنغتون وتماهى معه هؤلاء، كلّهم مع خطّ أحمر، يعرفه الجميع ويقف عنده، لا يتجاوزه، أبدا، وهو عدم انتقاد الكيان الصهيوني وتجاوزاته، حيث يعتبرون ذلك عداء للسامية التي يتصوّرونها مرادفة، على الدّوام، لخطاب العنصرية وحرية التعبير التي يمكن أن تطاول كل شيء، إلّا تلك الدائرة المغلقة تماماً، والتي دونها التعرّض للعداء الإعلامي، على غرار ما حدث لبعضهم، باسكال بونيفاس مثلا، عندما تجرّأ ووصف بعض وجوه تلك النّخبة، بمن فيهم ممثلو الصهيونية، بـ"المثقفين المدلّسين" في كتاب له مشهور، قاطعته كل وسائل الإعلام ودور النشر، كما قاطعت صاحبه، ومنعت عنه منابر الإعلام ووسائل الحديث كلها، أو الفنان الأسمر، ديودوني، لمجرّد أدائه تمثيل مشاهد قصيرة ساخرة عن مستوطن صهيوني مغالٍ في كراهيته للفلسطينيين على تلفزيون عمومي، لتنتشر مقاطعته على كلّ الأصعدة، منذ أكثر من عقد، بل ويوسم بكل الأوسمة، وتتهاوى عليه الدعاوى القضائية من منظمات الصّهيونية في فرنسا ومن الكيان الصّهيوني.

تشارك النّخبة الفرنسية المثقّفة والسياسية نخبة موالية ولاء فكريا للفرنكوفونية، يتولّون انتقاد مجتمعاتهم وقيم مواطنيهم، بل ويؤلّبون عليهم المجتمع الفرنسي

تشارك تلك النّخبة الفرنسية المثقّفة والسياسية نخبة موالية ولاء فكريا للفرنكوفونية، يتولّون انتقاد مجتمعاتهم وقيم مواطنيهم، بل ويؤلّبون عليهم المجتمع الفرنسي، في مقدمة هؤلاء كتّاب وإعلاميون، منهم من تمّ فضحه في "المثقفين المدلسين"، ومنهم من هو معروف إعلامياً في فرنسا بذلك الولاء، على غرار كمال داود وبوعلام صنصال وياسمينة خضراء (روائيون جزائريون) أو الطاهر بن جلون (روائي مغربي)، إضافة إلى بعض ممن لهم باع في باب الولاء الثقافي للعنصرية ولحرية التعبير، على الطريقة الفرنسية، من أشباه المثقفين والإعلاميين المرتادين للقنوات والمنابر الإعلامية الفرنسية.

التّعامل باستراتيجية الإلهاء الإعلامي بالارتداد إلى الداخل، ونشر رسائل إعلامية بمضمون يحاول الربط بين حرية التعبير المطلقة ورديفها الدائم، العنصرية

عندما نأتي إلى تفكيك ذلك الخطاب، نجده تحاملاً وبعيداً عن حقائق الإشكالات المطروحة على الساحة الفرنسية، وعلى الأصعدة كافة، حيث تحاول بعض وسائل الإعلام عرض تلك التحاملات على غربلة تاريخية، سياسية وثقافية - حضارية، في محاولةٍ، ليست موجّهة للرّد، لأنّ تلك المنابر لا تعرض إلا تلك الثنائية دون غيرها من الآراء، ولكن لتوضيح أنّ النّقاش كله هراء وثرثرة بدون مضمون ولا عمق، ليكون الهدف منها ليس تشخيص المشكلات، للبحث عن علاج لها، بل الهدف الحقيقي هو التّعريض بالآخرين، وإبراز أنّهم أصل إشكالات فرنسا والتخلّص منهم، بتهجيرهم أو إلصاق التهم بهم، وبأن ذلك، في النّهاية، كفيلٌ بإلهاء الفرنسيين عن حقيقة الفشل الذي ما فتئت فرنسا تتردّى في مهاويه، بفعل الأداء الاقتصادي المتراجع، الدور الدُّولي المتآكل، ومكانة عالمية تتهاوى، سنة بعد أخرى، على أكثر من مؤشّرٍ ولّد ذلك الخوف من المستقبل الذي لا يمكن إخفاء تداعياته، إلا بنشر تلك الثنائية والاعتماد عليها، خصوصاً أن الطبقة السياسية الفرنسية تتنافس، الآن، بدون أي اختلافٍ أيديولوجي بينها، على أصوات الفرنسيين، من دون أن تبيّن لهم عمق تلك الإشكاليات وأسباب تردّي الحياة الاجتماعية والهوّة العميقة بين طبقةٍ غنيةٍ تزداد غنى وطبقة فقيرة يُراد لها أن تبقى على الكفاف، وظاهرة السترات الصفراء التي عادت إلى الاحتجاج خير مثال على جدلية الغنى والفقر في فرنسا ومقدار الحاجة إلى الإلهاء الإعلامي، للتنفيس عن ذلك الواقع الفرنسي.

ليس المراد، هنا، الدّعوة إلى إلغاء حرية التعبير، ونحن في أمس الحاجة إليها. ولكن لا نريدها، أبدا، أن تكون جسرا لنشر خطابات الكراهية وإطلاق اللسان للعنصرية، وبخاصة في بلاد تدّعي أنها مهد حقوق الإنسان وحرية التعبير المكفولة للجميع في إطارٍ من التساوي، يقولون إنه مطلق، في تلك الحقوق، ليبرز، حقيقة، أنّ ذلك كله هراء، عندما يتعلق الأمر بالآخر، من دين وحضارة أخرى، ويعلو، بسبب ذلك، الصّوت إنّ حرية التعبير هي إطلاق اللّسان بالشّتم والعنصرية تجاه ذلك الآخر، مع العلم أن ذلك الآخر لم يأت إلى فرنسا إلّا لبنائها، بعد الحرب العالمية الثانية، أو هرباً من واقع سياسي ساهمت فرنسا، هي نفسها، في إيجاده في إطار سياساتها للتوازن بين الاستبداد والاستقرار، وفق ما سطّرته "فورين بوليسي" في آخر إصدار لها، للتعبير عن مشكلات فرنسا في الساحل وأسبابها الحقيقية، بل ربما يكون قد جاء إليها بدعوة من فرنسا في إطار تهريب/ استيراد الكفاءات، والاستفادة من مهاراتها، ولكن من دون أبعاد أولئك من دين، ولغة أو حضارة.

تتغاضى فرنسا عن الاعتراف بجرائمها الاستيطانية في الجزائر، ولكنها تسارع إلى تشريع قانون يجرّم تركيا العثمانية في مجازر الأرمن

لم نكن شارلي (شعار تم رفعه للتعبير عن الوقوف مع قضية المجلة وحرية التعبير التي أدّت، زعماً، إلى مقتل بعض رساميها). ولن نقبل، ألبتة، بما فعلته المجلة، لأن ذلك ليس من حرية التعبير في شيء، بل هو مساس بمقدّسات هي خطوط حمراء لكل الإنسانية، حيث يمكن أن نضحك من رسومٍ تتهكم بالأوضاع السياسية، الاقتصادية أو الاجتماعية، ولكن من دون أن يتعدّى ذلك إلى المساس برموز، أيا كانت، فهذا مما يجب أن يتفق الجميع على أنه ليس حرية للتعبير، وأن توضع تشريعات دولية بشأنه، فكما لا يجب أن تُمسّ مسألة محرقة اليهود، فالأوْلى أن لا يُمسّ الأنبياء، ولا الرموز المقدسة، أو لها قيمة في سلم الحضارات والثقافات، ودونها ذلك الخيط الرفيع الذي يقود إلى العنصرية والفوقية، ما قد يولّد جرائم على غرار التي تمّ تنفيذها في نيوزيلندا، وراح ضحيتها عشرات.

ذلك هو واقع حرية التّعبير في فرنسا، وهي الحرية نفسها التي تتغاضى بسببها عن الاعتراف بجرائمها الاستيطانية في الجزائر، ولكنها تسارع، في تناقض صارخ، إلى تشريع قانون يجرّم تركيا العثمانية في مجازر الأرمن، وتسرع، أيضاً، إلى الاعتراف بمسؤوليتها عن محرقة اليهود، في الحرب الكونية الثانية، في الجزء الخاص بتسفيرهم إلى محتشدات بولندا، وما تقوم به الآن، بزعم حرية التعبير، في تناقضٍ آخر، بالسماح بنشر رسوم مسيئة لنبي الإسلام، عليه السلام. 

إنها العنصرية بعينها، ولنا أن نقف بالمرصاد لها بانتقادها وبوسمها بما تستحقه، وهو أقل ما يمكننا القيام به في إطار حرية التعبير، أيضاً، ولكن بمقاربتنا نحن، وليس بمقاربة فرنسا، ومدلّسيها، من إعلاميين ومثقفين.