حرية التعبير وإشكالات الإعلام المهيمن في فرنسا

28 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

كتبت لارا مالرو، مراسلة التايمز الأيرلندية في باريس وزوجة الصحافي البريطاني روبرت فيسك، مراسل صحيفة الإندبندنت البريطانية في بيروت، أنه منذ وفاة فيسك، تردّدت بكثرة مفردة "الإشكالي" في توصيفه، ويراد بها التشكيك بكل ما كتبه في حياته (توصيفه هذا يعود إلى ما قبل الثورة السورية)، وهو الذي كان "إشكاليا" لأنه رفض أن يكون مثل الآخرين، وأن يتبع القطيع، وقد حصل على عدة جوائز وألف ستة كتب. بل إن صحافيا فرنسيا سخر، بغرابة، في صحيفة لوموند، من لقاءات روبرت فيسك مع أسامة بن لادن. ومثل هذا الصحافي عديدون في فرنسا لا يتوانون عن ترديد هذا الوصف وإطلاقه على كل من لا يتطابق خطابه مع الإعلام المهيمن والسائد. ولعل المثل الصارخ على هذا الأمر أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة أوكسفورد طارق رمضان، الذي بقي موصوفا، أكثر من عقدين، بالإشكالي وصاحب الخطاب المزدوج. وعندما لم يتم القضاء عليه بهذه الوسيلة، ابتُدعت وسائل أخرى. ليس ذلك فحسب، بل إن مجموعة من كبار الأطباء والمتخصصين بالأوبئة وإدارتها من ذوي الخبرة المشهود لهم، ومن مدراء المختبرات العلمية الرصينة، تُلصق بهم هذه "الإشكالية"، ويستهدفهم الإعلام، لأن كلامهم لا ينطبق مع الرواية الحكومية المرتبطة بمصالح كارتيلات الصيدليات والمختبرات وكبرى الشركات الأجنبية المنتجة للقاحات.
لم يقف الأطباء ولا الباحثون ومن يعملون في القطاع الطبي وجزء من الإعلام المستقل أمام ما يحدث، فقد شكلوا مجموعة لتبادل المعلومات الدقيقة والصحيحة، ونشرها، خصوصا أن فرنسا تشهد وضعا مقلقا بسبب الحظر الاجتماعي، ونتائجه الكارثية على الاقتصاد، وأصحاب المهن المغلقة محلاتهم، مثل المطاعم والمقاهي والمهن الأخرى، الأمر الذي أدّى إلى حالات انتحار وكآبة واسعة. كما أنتجت مجموعة من العاملين في السينما فيلما وثائقيا بعنوان "هولد آب" عن تاريخ هذه الجائحة عالميا وإدارة الحكومة التي يصفها المنتجون بالفوضى. يجمع الفيلم شهادات مختلفة للأطباء من تخصّصات متعددة والمختصين بالصحة وإدارة الأزمات الصحية والمختبرات والبحوث وكتاب وعلماء اجتماع. ولكن ما أن انتشر الفيلم على مواقع التواصل الاجتماعي، وشاهدته أعداد كبيرة، حتى تحرّك الإعلام المهيمن لشيطنته. وبدل تفنيد شهادات المختصين، واعتبارها "حرية تعبير"، ورأيا مختصا ومهنيا آخر، أو صحافيا له مصداقيته بحكم عمله، بدأ الإعلام المهيمن يصوب سهامه على المواقف السياسية لبعض من صناع الفيلم، ما لا علاقة لهذا الأمر بكل الشهادات التي لم يقم أي مهني، ولا مسؤول حكومي، بتكذيبها أو الشك فيها، لكنه يتجاهلها لأسبابٍ تتعلق بمصالح شركات أجنبية، ومفاضلتها على غيرها، كما يقول الأطباء. بل إن عالم الأوبئة البروفيسور ديديه راوولت تحدث عن مشكلةٍ على مستوى عال بخصوص سوق بيع اللقاحات ضد كوفيد 19، ما يؤخر طرحها في الأسواق لعلاج الناس.

قرار وزير الداخلية الفرنسي، جيرار دارماينان، بحل "تجمع ضد الإسلاموفوبيا"، فيه عنصرية ضد المسلمين

أما القرار المجحف الذي أصدره أخيرا وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارماينان، حل "تجمّع ضد الإسلاموفوبيا"، فإنه يتابع معاداة الإسلام والعنصرية ضد المسلمين. وقد اتخذ بعد قتل مدرس التاريخ صموئيل باتي، ويصوّر أنه أحد نتائجه، فيما لا علاقة له بالواقعة، وإنما يأتي في برنامج قمع خطاب جمعيات مؤثرة للعرب والمسلمين، نجحت في إيصال أصواتها إلى خارج فرنسا، في أوروبا وأميركا وآسيا. ليس ذلك فحسب، بل إن عمل هذا التجمع الخاص بإحصاء حالات العنصرية في فرنسا، ومساعدة ضحاياها، قد أصبح ممنوعا التعبير عنه، لأن الإعلام المهيمن وأدواته الصحافية في اليمين المتطرّف واليمين الليكودي الصهيوني ينفون وجود أي عنصرية، ويرفضون استعمال المسلمين تعبير الإسلاموفوبيا. وهم يحاربون التجمع منذ سنوات محاربة شرسة، انتهت اليوم بحله. وكان ناشطوه قد بلوروا خطابا سياسيا، ووصلت أصواتم إلى ما وراء الأطلسي، وإلى بريطانيا، وخصوصا إلى بعض الجامعات في الولايات المتحدة. ودعا "تجمع ضد الإسلاموفوبيا" شخصياتٍ، مثل أنجيلا ديفز، المدافعة الشهيرة عن الحقوق المدنية للسود، وشخصيات مرموقة أخرى للكلام عن العنصرية والإسلاموفوبيا، وهو ما أزعج هؤلاء المثقفين وسياستهم في تحجيم الوجود العربي الإسلامي وتزايد تأثيره عبر أدوات الديمقراطية، والذي من شأنه منافسة خطابهم المتكرّر وحتى إنهاءه.

ردد ماكرون، بمناسبة حادثة قتل المدرس، ما قاله بوش عن طريقة الحياة، وعن "إسلاميين يحسدوننا على طريقة عيشنا وعلى الديمقراطية وحرية التعبير"

كان هذا اليمين الصهيوني وراء حملة تواقيع ثمانين مثقفا لتكميم أفواه الجمعيات العربية والأفريقية، والتحذير والتخويف من السماح لها باللقاء في أماكن عامة للتعبير عن أفكارها وإقامة نشاطاتها، فيما الشخصيات الصهيونية المعادية للإسلام في صدارة المدعوين في الإعلام للكلام عن الإسلام، وهم من ينظرون إلى المسلمين "غير متحضّرين" في طرق حياتهم، وإن عليهم إعادة ملاءمة دينهم. بل إنهم هم الذين يختارون "الإمام المثالي" الذي يطلب من المسلمين اتباعه من بين ملايين الفرنسيين المسلمين، حيث يقع اختيارهم على شخصٍ لا يمكن أن ينطق بجملة فرنسية صحيحة، مهمته أن ينفذ ما يلقّنه إياه أعضاء في مجلس المؤسسات اليهودية في فرنسا، للكلام ضد المسلمين، وفي صالح الاحتلال الصهيوني وتجميل صورته في فرنسا، والإساءة للفرنسيين من أصول عربية ومسلمة وإهانتهم. وحالما تنتقد شخصيات فرنسية مرموقة هذه الإجراءات، تٌشيطن وتُحارب، وتوصف بتلقيها أموالا قطرية، ويُطالَب بتنحيتها من المشهد العلمي والإعلامي، ليكون دليلا على أن هذا الفضاء الذي يتفاخر به أنه مجال لحرية التعبير، ليس بمثل هذه الوردية ولا الرومانسية.
ليست هناك حرية مطلقة للتعبير في فرنسا، كما يقول الرئيس ماكرون، بمناسبة نشر الرسوم الكاريكاتورية للرسول، بل هناك "إعلام مهيمن" سائد، لا يقبل إلا ما يتماشى مع الرواية الحكومية، ومع أيديولوجيات حلقات يمينية وعنصرية مسموح لها بالدعوة إلى العنف والحقد، تنشر أفكارها، على الرغم من إدانتها قانونيا، وتستقبل في استديوهات القنوات بشكل منتظم، للتعبير عن عنصريتها وكرهها وتحريضها لطرد المستعمرين المسلمين من فرنسا، على الرغم من تجريم القانون الفرنسي ذلك كله.

قانون الأمن الشامل  يضيّق، في إحدى فقراته، على العمل الصحافي، ويربطه بتصريح من الشرطة، ويمنع تصوير قواتها، حتى في حال اعتدائها على المواطنين

ربما عبّر رئيس تحرير "ميديا بارت"، إيدوي بلينل، في فيديو، قبل أيام، عن حالة حرية التعبير في فرنسا، في قوله إن الرئيس ماكرون يحاول أن يصنع من حادثة قتل المدرس حادثة مشابهة لما حدث في سبتمبر/ أيلول 2001 في نيويورك، وإصدار الرئيس الأميركي بوش قانون "آكت باتريوت" ضد الإرهاب، ومع تقنين الحريات العامة، وتسهيل الاعتقالات غير القانونية. وهذا ما يحصل اليوم بإصدار قانون الأمن الشامل الذي يضيّق، في إحدى فقراته، العمل الصحافي، ويربط العمل بتصريح من الشرطة، ويمنع تصوير قواتها، حتى في حال اعتدائها على المواطنين. كما يستهدف القانون، وبشكل غريب، الطلاب، ويجرّم انتقالهم في التظاهرات بين جامعة وأخرى، وهو ما تم تفسيره هنا بأن هذه القوانين تحضيرٌ لمستقبلٍ ربما يكون قريبا لتفادي تظاهراتٍ واحتجاجاتٍ واسعة.
المفارقة أن الرئيس ماكرون ردّد، بمناسبة حادثة قتل المدرس، ما قاله بوش عن طريقة الحياة، وعن "إسلاميين يحسدوننا على طريقة عيشنا وعلى الديمقراطية وحرية التعبير". وبعد أيام، يتم التصويت على قانون الأمن الشامل. لقد خرج أكثر من 25 ألف متظاهر فرنسي، على الرغم من الحظر الاجتماعي، رافضين هذا القانون المفصّل لقمع حرية التعبير والصحافة، وقضم مساحات الحريات الفردية للمواطن. ويناقض إصدار هذا القانون تحت جائحة كورونا، وفي ظل الحظر الاجتماعي، تماما التمسّك بمقولة حرية التعبير في فرنسا، بل يجدر الكلام عن مزيد من الإشكالات لهذه الحرية وإعلامييها وصحافييها في الإعلام المهيمن الذي يملك 95% منه سبعة من أبرز أغنياء فرنسا.

065C781D-CEC8-48F5-8BB1-44AD7C46983D
ولاء سعيد السامرائي