حرية التعبير حقّ للمنشقين عن الإجماع

حرية التعبير حقّ للمنشقين عن الإجماع

16 ديسمبر 2021
+ الخط -

يفهم المرء من نقاشاتٍ ساخنةٍ تدور بين حين وآخر في السياسة والثقافة العربيتين أن المتحاورين يفهمون حرية التعبير حقاً لهم وحدهم، وعلى الآخرين أن يخرسوا، لأنّهم يمسّون قضايا مقدّسة كبرى، أو هم عملاء للعدو وناطقون بما يريد، ولأنّهم كذلك لا يحقّ لهم الكلام. وإذا كان الخلاف بشأن قضايا مقدّسة بالمعنى الديني، نرى أيّ عابر سبيل يمكنه أن يُكفّر الآخر لأقل سبب. ما يعني أنّ من الممكن لهذا التكفير أن ينتقل إلى حالات قتل، من آخرين لم يكونوا جزءاً من النقاش. وهو ما حصل في حادثة اغتيال الكاتب المصري فرج فودة، فالذي اغتاله لم يقرأ كتبه، وقرّر أنّه يجب أن يُقتل لأنّ آخرين كفّروه. وكذلك محاولة اغتيال الروائي نجيب محفوظ مع تكفيره بسبب روايته "أولاد حارتنا" فالذي طعنه في رقبته أقرَّ في التحقيق بأنّه لم يقرأ الكتاب. وهذا لا يعني أنّ قراءتيهما تجعل جريمتيهما أقل من اللتين وقعتا.

كلّ وجهة نظر تمنع، أو تطالب بالمنع، أو تخوّن الآخر .. إلخ من التعبيرات الإلغائية، تنهي النقاش سلفاً، وتدخل في مجال القمع، والاستبداد بالرأي الذي يريد أن يفرض نفسه على الآخر بغير أدوات الحوار، مهما كان موضوع النقاش. احتكار الحقيقة والتعبير عنها، وإلغاء حق الآخرين في التعبير عن آرائهم بالطريقة التي يرونها مناسبة، وفي الموضوعات التي يرغبونها، هو انتهاك لحقّ هؤلاء. حتى تحريض الآخرين على معاقبة هؤلاء أو مقاطعتهم دخل في مجال الإلغاء.

حرية التعبير هي حرية الأقلية في التعبير عن رأيها ضد الإجماعات وضد السرديات الكبرى

الاعتراف بالآخر، وبأنّه مساوٍ لي في القيمة والمكانة، وبحقه في التعبير عن رأيه، كما حقي أنا، هو الشرط الشارط لحرية التعبير، من دونه تصبح حرية التعبير حقاً لي فقط في إخراس الآخرين، عندما لا تُعجبني آراؤهم أو عندما أختلف معهم.

يشكّل حرّاس القيم والوطنيات الإلغائية الخطر الأكبر على مجتمعات في حاجة لفتح النقاش العميق والصريح في كلّ القضايا، والتطرّق لكلّ الأماكن المؤلمة والمظلمة في السياسة والثقافة والمجتمع، لتجاوز الاستنقاع التاريخي الذي تمرّ به بلدان المنطقة. ومن غير المفهوم الخوف من رأي على هذه القضية هنا وهذا المقدّس هناك، في وقت تعاني هذه البلدان من انهيار شامل، وكأنّ الوقوف في وجه هذا الكتاب، أو هذا الفيلم، أو هذا المقال، يجعل واقع هذه البلدان أفضل وتُحل مشكلاتها. وليس مفهوما الكلام إن مقالاً أو فيلماً أو كتاباً يشكل خطرًا على القضية الوطنية المقدّسة، ويشكّل خدمةً للعدو، مع أنّ العملاء الذين يخدمون العدو يمشون على رؤوس الأشهاد في مدن عربية كثيرة، وتُنتهك القضايا من القائمين عليها، ومن حرّاسها المفترضين أكثر بكثير مما يمكن لوجهة النظر هذه أو تلك، مهما كانت قسوتها، ومهما كانت تسير عكس قناعات عموم الناس.

لا ينجز مثقفون جبناء وساحة ثقافية جبانة حرية التعبير

المشكلة العويصة التي يعاني النقاش العام، على الأغلب، تقع في إلغاء المسافة بين وجهة النظر والاتهام. النقاش حوار مع وجهة نظر أخرى أختلف معها، وأعتقد أنّها غير صحيحة. لكن، كونها كذلك من وجهة نظري لا يعطيني الحق في اتهام صاحبها. كما يحق لصاحبها أن يدافع عن وجهة نظره باعتبارها صحيحة، وباعتبار وجهة نظري غير صحيحة. وهذا طبيعي، لأنّ على الجميع أن يقرّ بنسبية الحقيقة حتى يستقيم النقاش. الاتهام شأن آخر، وفي التجارب الديمقراطية، من الممكن القول إنّ سياسة رئيس الوزراء مدمّرة للبلاد، وهذه تتسبّب بأزمات اجتماعية كبيرة، من حق أيّ منتقد أن يقول ذلك عن سياسات حكوماته. لكن، لا أحد يجرؤ على اتهام أحد من السياسيين بالسرقة وقبض المال غير المستحق أو الفساد من دون دليل جرمي. بمعنى آخر، عندما أنتقد قضية محدّدة، لا يحق لمن يختلف معي في وجهة النظر أن يتهمني بأنّني أتقاضى أموالاً من هذه الدولة أو من هذه الجهة لأقول هذا الكلام. هذا إخراج للنقاش من سياقه، ونقله إلى موقع الاتهام. أو اتهام وجهة النظر هذه بأنّها تسيء إلى القضية المقدّسة وتخدم العدو وتمسّ بقضية إجماع وطني. الذين يدافعون عن هذه القضايا بهذه الطريقة يعتبرون أنّنا نعيش في أفضل حال، وأنّ وجهة النظر هذه هي التي ستهدم هذا المجتمع وتبدّد إجماعه، مع أنّ الواقع القائم في غاية الرداءة. ولا يأتي هذا الإلغاء من الحرص على هذه القضايا المقدّسة، بقدر ما يأتي من ضحالة وجهة النظر الإلغائية، لأنّها تأتي من موقف أيديولوجي ضيق أو من فهم رثّ للمقدّس، فصاحب وجهة النظر الضعيفة يحاول أن يغطي على ضعفها برفع راية تخوين الآخر، ورفع سيف القضايا المقدّسة بوجه أيّ اختلاف حقيقي.

على الجميع أن يقرّ بنسبية الحقيقة حتى يستقيم النقاش

حرية التعبير ليست حرية الأغلبية في فرض رأيها على الأقلية أو المنشقّين عنها وإخراسهم، وليست منع المنشقّين والمختلفين من إبداء نقدهم بذريعة قدسية القضايا التي يتصدّون لها. بل، هي حرية الأقلية في التعبير عن رأيها ضد الإجماعات وضد السرديات الكبرى. إنّها حرية النقد التي يجب أن يضمنها المجتمع للأقلية، حتى لا تتغوّل الأغلبية. للأسف، نجد، في قضايا كثيرة تصطدم مع السائد، كثيرين يقولون لك، بمن فيهم مثقفون، نحن معك، لكن لا نستطيع أن نقول ذلك في العلن. هناك مراعاة للسائد خوفاً من عدائية الجموع، وذلك ينتج ساحة ثقافية جبانة، لا يعوّل عليها في إنتاج مستقبل للمنطقة، ولا في طرح القضايا الكبرى والإشكالية الجدّية لنقاشٍ في العمق، خوفاً من الاتهامات والمخاطر التي سيتعرّضون لها.

طالما أنّنا مجتمعاتٌ تعتبر أنّ هناك قضايا مقدّسة لا يمكن الاقتراب منها، فلا يمكن الحديث عن حرية التعبير. لا ينجز مثقفون جبناء وساحة ثقافية جبانة حرية التعبير. المنشقون هم الذين يكرّسون حرية التعبير. للأسف، هؤلاء غير موجودين إلا ما ندر في ساحتنا الثقافية. نحن نحتاج إلى حزب من المنشقّين لنكرّس ثقافة الاختلاف في مستنقع الثقافة السائدة.