تونس ومحكمة استكمال البناء الدستوري

26 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

(1)

دفعت أزمة كوفيد 19، والإجراءات الوقائية التي فرضتها المصالح الصحية المختصة في تونس، إلى تأجيل الجلسات الانتخابية لأعضاء المحكمة الدستورية من غرة شهر مارس/ آذار إلى يوم 16 يوليو/تموز 2020، حيث حدّد مكتب مجلس نواب الشعب هذا التاريخ موعدا لانطلاق الجلسات الانتخابية التي لم تفض، في النهاية، إلى أي تقدّم، على الرغم من مرور نحو خمس سنوات على صدور الدستور التونسي. تم استئناف الجلسات نفسها مع انطلاق المدة النيابية/ السنة الثانية خلال الأسابيع القليلة الفارطة. ولكن تم، يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول الجاري مجدّدا، تأجيل الجلسة العامة.

وقد نص دستور 2014 في فصوله (118 - 124) على المحكمة الدستورية. وبشكل مسهب، تناول اختصاصها وتركيبتها، وكيفية تعيين أعضائها وعلاقتها بمجلس نواب الشعب ورئيس الجمهورية وغيرها من المسائل الأخرى ذات الصلة، إلا أنه، وبعد ست سنوات من المصادقة على الدستور، لم يتم الالتزام بما ورد فيه، ولم يتم استكمال تلك الاستحقاقات، في تعارض مع النقطة 5 من الباب العاشر (الأحكام الانتقالية) التي حدّدت السقف الزمني الأقصى، سنة بعد الانتخابات التشريعية (2014) لإرساء المحكمة الدستورية.

وعلى الرغم من عقد أكثر من سبع جلسات من النقاشات العامة خلال المدة النيابية الفارطة (2014- 2019)، خصصت لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية، وتنظيم قرابة عشرة اجتماعات في لجنة التوافقات، فإن هذا الجهد النيابي المعلن، وكل المساعي الأخرى، باءت بالفشل. لم تر المحكمة الدستورية النور، وظل إرساؤها رهين التجاذبات السياسية وحساباتها المعقدة. يثير هذا الأمر جملة تساؤلات، إزاء "تعثر" إرساء المحكمة الدستورية، خصوصا وقد تمّت بعد المصادقة على قانونها الأساسي (القانون عدد 50 لسنة 2015)، وعلى ميزانيتها لسنة 2019 في 6 ديسمبر/كانون الأول 2018.

لم تر المحكمة الدستورية النور، وظل إرساؤها رهين التجاذبات السياسية وحساباتها المعقدة.

استأنف النقاش أخيرا في المجلس النيابي الجديد، وطرحت "مسألة" تركيز المحكمة الدستورية مجدّدا على طاولة النقاش، وانتهى صداها إلى الفضاء الإعلامي، العمومي بصفة عامة. وقد غذّى تأخير إرساء المحكمة الدستورية تنامي المخاوف من أن تكون حالة الفسيفساء التي جاء عليها البرلمان، وعسر تشكل التحالفات الحاكمة التي بدت واضحة، ذريعة لتواصل إجهاض محاولات إرساء المحكمة الدستورية. وتتعاظم المخاوف، في ظل الهشاشة السياسية التي تعمقت تحت وطأة أحداث طارئة ومستجدّة، قد لا يكون الدستور تعرّض إليها، فضلا عما يثيره المختصون من مسائل فنية معقدة بشأن "غموض العبارات والتباسها" فيه. تجلى ذلك مثلا في انتقال دفة الرئاسة بعد وفاة الرئيس الباجي قائد السبسي، وما ظل ملتبسا في علاقة شغور السلطة، علاوة على مشروع قانونٍ يبدو أن الراحل رفض الإمضاء عليه، وكذلك الجدل الدستوري والقانوني الذي صاحب تشكيل الحكومة الحالية، وتنازع المواقف/ التأويلات للفصلين 89 أو 97 وغيرهما من فصولٍ تتناول قضية تعيين رؤساء الحكومات، ومختلف فرضيات سقوطها.. إلخ، فضلا عن النقاشات الحادّة التي اندلعت بشأن إبداء مقترحاتٍ لتعديل النظام السياسي، وتجاوز ما بدت "ثغراتٍ" أو "فراغات" في الدستور ذاته.. إلخ.

ليست المحكمة الدستورية عصا سحرية تشفي المشهد السياسي التونسي من علله

شكل غياب المحكمة الدستورية في كل هذه السنوات نقيصة حقيقية تخدش جاذبية "النموذج التونسي" وديمقراطيته الفتية. ولكل تلك الأسباب، تتطلع أوساط واسعة من النخب السياسية والحقوقية والأكاديمية إلى المحكمة الدستورية، باعتبارها إحدى أبرز الأولويات التي ينبغي إنجازها في الفترة النيابية الراهنة. ويبدو أن هناك قناعة لدى متابعي الشأن الدستوري والبرلماني، في تونس أو خارجه، بأن تواصل تأخير إرساء المحكمة الدستورية، قد يشكّل تراجعا أو عقبة أمام تعزيز الديمقراطية، بل قد يفتح منافذ ملتبسة لاحتمالات التراجع والتعثر على ضوء مستجدّاتٍ قد تطرأ على حياة البلاد السياسية. سيكون إرساء المحكمة الدستورية اختبارا حقيقيا لمدى جدّية النخب التشريعية وحرصها على تنفيذ ما نص عليه الدستور، والوفاء بالتزاماته.

سيكون من الحيف والمبالغة إرجاع كل المسائل التي تحفّ بارتباك المسار الديمقراطي في تونس إلى المحكمة الدستورية، ذلك أن ثقافة النخب السياسية، الحاكمة أو المعارضة، فضلا عن عيوبٍ كبيرةٍ تلاحق قانوني الأحزاب والجمعيات، علاوة على القانون الانتخابي، يمكن أن تكون جميعها فرضياتٍ تساعد على فهم حالة التعثر الذي يعاني منه هذا المسار ...

شكل غياب المحكمة الدستورية نقيصة حقيقية تخدش جاذبية "النموذج التونسي" وديمقراطيته الفتية

كانت الكلفة السياسية مرتفعةً لهذا التأخير الذي بات الجميع يدرك أنه متعمّد، ولعل أهم مؤشّراتها تغذية نزاعات الحدود والصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية، أي رئاستي الحكومة والجمهورية. وكذلك الصراع الذي لم يعد خافيا بين رئيسي الجهورية قيس سعيد ومجلس النواب راشد الغنوشي، حيث تابع الرأي العام تلك التصريحات المتشنجة بشأن الملف الليبي وغيره من القضايا الداخلية والخارجية الأخرى.

ثمّة حزمة من الإصلاحات المقترحة في تعديلات ممكنة على طريقة انتخاب أو تعيين أعضاء هذه المحكمة، فضلا عن مسألة احتساب نسب التصويت، من قاعدة الأغلبية المعزّزة (الثلثين) إلى الأغلبية المطلقة، غير أن كل هذه المقترحات لن تجعل المحكمة الدستورية عصا سحرية تشفي المشهد السياسي التونسي من علله. يخشى الجميع من أن تصيب لوثة الجينوم السياسي التونسي المحكمة نفسها، إذا لم تقطع النخب مع ثقافة التوظيف والمناورة الأبدية والاستيلاء على المؤسسات وجعلها غنيمة، خصوصا في ظل توجس رئيس الجمهورية من أي توافق بشأن المحكمة الدستورية الذي لن يكون في اعتقاده سوى محاصرة له، وتضييق حديقة خلفية (الدستور) احتكر جني ثمارها.