تونس والجائحة .. من النجاح إلى الكابوس

تونس والجائحة .. من النجاح إلى الكابوس

10 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

أعلن رئيس الحكومة التونسية، هشام المشيشي، يوم 7 مايو/ أيار الجاري، عن الحجر الصحي الشامل ثمانية أيام، في تزامن مع عطلة عيد الفطر التي تشهد تنقلاً كثيفاً بين المدن، يعود خلالها المواطنون الى أهاليهم ومدنهم وقراهم الأصلية، آتين إليها من مناطق عملهم وإقاماتهم. كما تشهد المحلات التجارية ودكاكين بيع الملابس والحلويات اكتظاظاً غير مسبوق. وقد قرّرت الحكومة اتخاذ تلك القرارات لكسر حلقة عدوى كورونا، علماً أنّها تأتي في ظل حظر التجول وإغلاق الفضاءات المدرسية مرتين متتاليتين، تجاوزتا الشهر تقريباً.
كيف تحوّلت قصة النجاح التونسية في موجة الوباء الأولى، من مارس/ آذار إلى أغسطس/ آب 2020، حين سجلت البلاد رقماً من أقلّ ما سُجل دولياً، سواء في عدد الإصابات أو الوفيات؟ منظمة الصحة العالمية أشادت بذلك. كما ظلت تونس من دون تسجيل أيّ إصابة طوال شهرين متتاليين. ثم انهار كلّ ذلك المنجز بشكل متواصل، ابتداء من سبتمبر/ أيلول 2020، وسجلت البلاد أرقاماً قياسية تجاوزت 115 وفاة يومياً. وعلى الرغم من الانخفاض النسبي في الأيام الأخيرة، فانّ جلّ الخبراء يتوقعون الأسوأ في الأسابيع المقبلة، خصوصاً في ظلّ وصول المؤسسات الصحية العامة والخاصة إلى طاقتها الاستيعابية، والنقص الحادّ في الأوكسجين، مما جعل البلاد تلتجئ إلى استيراده بشكل سريع من الجزائر، وما زال الأمر مطروحاً. ويحدث هذا كله في بلد كان يتفاخر بنظامه الصحي، ومؤسساته التي تقدّم خدمات صحية ذات جودة عالية، ما جعلها قبلة لرواد السياحة الصحية، يأتي إليها الناس من دول المغرب العربي المجاورة وأفريقيا. علينا أن نستحضر عوامل أدت إلى هذا التراجع الخطير في إدارة الأزمة الصحية التي لم تشهد لها تونس مثيلاً منذ استقلالها.

يشعر التونسيون أنّ السفينة تكاد تغرق ولا ربّان يوجهها، وذلك ما حال دون التعبئة النفسية والاجتماعية لمواجهة الوباء

العامل الأول الذي بعثر كلّ الأوراق هو عدم الاستقرار الحكومي، إذ شهدت مدة الوباء ولاية أربعة وزراء صحة، كلّهم أقيلوا لأسباب تتعلق بتغير الحكومة أو بعدم انسجامهم مع الفريق الحكومي، فحتى الوزير الحالي (طبيب عسكري) يشرف على تسيير وزارةٍ أقيل منها قبل أشهر، غير أنّ رفض رئيس الجمهورية قبول الوزراء الجدد لأداء اليمين فرض عليه أمراً واقعاً وظلّ في وزاراته. لم يكترث الرجل لقرار الإقالة، وظلّ يجتهد في محاربة الوباء، على الرغم من السياق الصعب وضعف الموارد البشرية والمادية المخصصة لمواجهة الوباء، خصوصاً أنّ تونس تمرّ بأزمة مالية حادّة، بل هي على وشك الإفلاس.
حالَ عدم الاستقرار السياسي وتغير الفرق المشرفة على قطاع الصحة دون رسم استراتيجيات مواجهة يمكن متابعتها وتقييمها، فضلاً عن تحيينها وتعديلها حتى تبلغ درجات عليا من النجاعة والجدوى. يحدث هذا كله في مناخ سياسي يحتدم فيه صراع الصلاحيات إلى حد العبث بين مؤسسات الحكم، رئاسات الجمهورية والحكومة والبرلمان. تدور معارك طاحنة بشأن الصلاحيات، ما عطل السير العادي لدواليب الدولة. يشعر التونسيون أنّ السفينة تكاد تغرق ولا ربّان يوجهها، وذلك ما حال دون التعبئة النفسية والاجتماعية لمواجهة الوباء، خصوصاً في ظلّ تراجع المجتمع المدني في إسناد الحكومة لأسباب عديدة، ذات صلة بعدم الاستقرار السياسي هذا، وغياب خطة من أجل توظيف مبادراته وتثمينها.

لم تستطع وزارة الصحة، على الرغم من محاولتها أن تبتكر خطة اتصالية ذات جدوى، تغيير سلوك الناس باتجاه احترام الإجراءات التي يتم اتخاذها

يعود العامل الثاني إلى الأزمة الاقتصادية الحادّة التي تعيشها المالية العمومية، ما جعل الدولة عاجزة عن توفير الإمكانات المادية واللوجستية اللازمة، ذلك أنّ قطاع الصحة يعاني من مشكلاتٍ هيكلية ظلت تتراكم منذ عقود، إذ تقادمت جلّ التجهيزات الطبية وعجزت البلاد عن تجديدها بما يواكب التقدّم التقني الحاصل في الميدان. وعلى الرغم من جودة التكوين للكادر الطبي وشبه الطبي، فإنّ جهوده المضنية عادة ما ترتطم بقلة الإمكانات. تسجل البلاد منذ سنوات هجرة مزدوجة لأطباء القطاع العام، إما إلى القطاع الخاص، حيث الإمكانات التقنية والمالية متوفرة، وأحياناً إلى حد البذخ، أو إلى الخارج، حيث يحظى الطبيب التونسي بسمعة طيبة، وعادة ما تكون الوجهة ألمانيا أو كندا أو فرنسا أو دول الخليج. حالت قلة الإمكانات دون اقتناء ما يكفي لتقصّي المرض أو التلقيح أو استقبال المرضى... إلخ. إنّه نزيفٌ أنهك القطاع.
العامل الثالث الإخفاق الاتصالي الذريع الذي رافق إدارة الأزمة، ما جعل سلوك المواطن التونسي، ابتداءً من الموجة الثانية في سبتمبر/ أيلول، يتغير، إذ لم تستطع وزارة الصحة، على الرغم من محاولتها أن تبتكر خطة اتصالية ذات جدوى، تغيير سلوك الناس باتجاه احترام الإجراءات التي يتم اتخاذها، بل بدا في سلوكاتهم أحياناً، كثيرٌ من الاستخفاف، فلم تلتزم فئات واسعة بالكمامة أو احترام المسافة... إلخ. قد يبدو الأمر غريباً، لكنّ إحساساً ما يعتري جلّ هؤلاء بأنّ دولتهم خذلتهم في هذه المعركة، وتركتهم بلا سلاح سوى التعليمات الفوقية، وتطالبهم بالامتثال لها، وفي الوقت نفسه تمنع عنهم العمل، للحصول على رغيفهم. كما أنّهم يشعرون بأنّ الطبقة السياسية هي من يتحمّل مسؤولية ما يحدث لهم. لقد رأوا تظاهرات ضخمة حرّكتها الأحزاب في ذروة الوباء. أفقد هذا "النفاق السياسي"، كما يصفه هؤلاء، الحملة الاتصالية التي كانت باهتة القدرة على التعبئة. وشكلت تلك المآخذ عائقاً اتصالياً، يبدد كلّ الرسائل وإن كانت هذه نبيلة. وتعد أزمة الثقة بين هذه الفئات الواسعة وراسمي السياسات العمومية، ومنها الصحة، عاملاً حاسماً في ما آل إليه الوضع. مع ذلك، ما زال الأمل معقوداً على أن تتجاوز تونس محنتها العسيرة.