تونس بين عَقْدين

20 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

قبل عشر سنوات، بلغت حالة الانسداد السياسي، والبؤس الاقتصادي، والقمع السلطوي الموجّه ضدّ المدنيين عموما، والمعارضين للنظام الحاكم خصوصا، أوجها في تونس. ودفع ذلك النّاس إلى النزول إلى الشوارع، والتظاهر بكثافة وبطريقة سلميّة منظّمة ضدّ الديكتاتور زين العابدين بن علي وأسرته وأعوانه وأركان الدولة البوليسية الداعمة له، ورفع المتظاهرون شعاراتٍ احتجاجية دالّة، من قبيل "ارحل"، "الشعب يريد إسقاط النظام"، "شُغل، حرّية، كرامة وطنية". وهي شعاراتٌ أخبرت بأنّ جمهور المحتجّين لا يروم تحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين فحسب، بل يروم أيضا تغيير هيئة النظام الشمولي/ الأحادي، وبناء دولة تحترم حقوق الإنسان. وأدّى الضغط الشعبي العارم إلى خلع الرئيس المستبدّ وهروبه هو وأفراد أسرته من البلاد. ودفع كثيرون على امتداد عقود (شهداء، سجناء رأي، جرْحى، مختفون قسريا، منفيون اضطراريا) أعمارهم وحياتهم في سبيل بلوغ تلك اللحظة التاريخية. وبعد عَقد من اندلاع الثورة (17ديسمبر/ كانون الأول 2010 - 14يناير/ كانون الثاني 2011)، يتبيّن الدارس أنّ تونس حقّقت، ولو نسبيّا، مكاسب معتبرة على الصعيدين، السياسي والحقوقي. لكنّها لم تنجح بعد في تحويل الثورة إلى ثروة، وتحقيق انتقال اقتصادي/ تنموي شامل وناجع. 
من الناحية السياسية، شهدت تونس في العقد المنقضي نقلة نوعية من الأحادية إلى التعدّدية، فقد حكم البلاد على امتداد 54 سنة قبل الثورة رئيسان فحسب، أعني الراحل الحبيب بورقيبة (31 سنة) والمخلوع زين العابدين بن علي (23 سنة)، واستفرد كلّ منهما بسيادة البلاد، وبسط نفوذه على مفاصل الدولة، وجعل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية تحت إمرته، وأقصى معارضيه السياسيين الفاعلين بشكل أو بآخر، ووزّعهم بين السجون والمقاصل والمنافي، واكتفى في أحسن الأحوال بصناعة معارضة ديكورية موالية له، وذلك للتخفّف من ضغط المنظّمات الحقوقية الدولية، ولاسترضاء القوى العظمى والجهات المُقرضة والمانحة. وكان يجري التمديد للرئيس بصفة آلية، وتحوير (تعديل) الدستور على مقاسه ووفق رغباته.

خرج التونسيون بعد الثورة من سطوة الحزب الواحد الذي هيمن عقودا على الفضاء العامّ، وزوّر الانتخابات التشريعية مرارا

وساهمت الحملات الإعلامية التضليلية والقبضة البوليسية الحديدية في تشكيل صورة للرئيس جعلته في مقام المقدّس الذي يتعالى عن النّاس، ولا يحتمل النقد والمساءلة، ويجمع المال ويمنع محاسبته، ويهدر الدراهم الكثيره من خزينة الشعب المقموع في تشييد القصور والاحتفال بعيد ميلاده، وفي إثراء أقاربه ومدّاحيه من دون رقيب عليه. أمّا بعد الثورة فحكم البلاد خلال عشر سنوات خمسة رؤساء تولّوا الحكم بطريقةٍ دستوريةٍ نزيهة، وانتخب التونسيون في مناسبتين رئيسهم بشكل مباشر سنتي 2014 (الباجي قايد السبسي) و2019 (قيس سعيّد)، وذلك في كنف الشفافية وحرّية الاختيار، بحسب شهادة منظّمات رقابية محلّية ودولية موثوقة. وغدا الرئيس مواطنا مكلّفا بمهامّ معلومة، وله صلاحيات محدودة بموجب الدستور، وهو موضوع نقدٍ وتندّرٍ ومراقبة، وتجوز مقاضاته. وهو إلى ذلك شخصية قيادية، قريبة إلى حدّ ما من النّاس ومنفتحة على مشاغلهم، ولا يحقّ لأيّ رئيسٍ أن يحكم البلاد أكثر من دورتين، تدوم كلّ منهما أربع سنوات. وبذلك قطعت تونس بعد الثورة مع صورة الرئيس المستبدّ، الأبدي، المتعالي، مطلق الصلاحيات. 
وعلى صعيد متّصل، خرج التونسيون بعد الثورة من سطوة الحزب الواحد (الحزب الاشتراكي الدستوري/ التجمّع الدستوري الديمقراطي) الذي هيمن عقودا على الفضاء العامّ، وزوّر الانتخابات التشريعية مرارا، وساهم في تصحير الحياة السياسية والتضييق على المعارضين، وتحوّل على التدريج إلى مليشيا ذات غطاء حزبي، مهمّتها الأساسية تعقّب خصوم الزمرة الحاكمة، وتحشيد النّاس لمباركة النظام الشمولي الفرداني. ومع حلّ الحزب الكلياني المذكور، تعدّدت الأحزاب في تونس طوال العقد المنقضي، وبلغت زهاء مائتين ويزيد، وتنافست في استقطاب الأنصار في كنف الحرّية والسلمية. وخاض عدد معتبر منها غمار الاستحقاقات الانتخابية بعد الثورة، وتوجّه مواطنون تونسيون في مناسبات مختلفة إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثّليهم في المجالس النيابية (2011، 2014، 2019) والمجالس البلدية (2018) وفي قصر الرئاسة بقرطاج (2014، 2019) وساهم ذلك في تعزيز الديمقراطية التشاركية في السياق التونسي. ومن المفيد الإشارة إلى أنّ جلّ العمليات الانتخابية أدّت إلى ظهور وجوه جديدة وقوى حزبيّة متنوّعة في البرلمان وفي القصر الرئاسي، ودلّ ذلك على ديناميكية المشهد السياسي في تونس، وعلى نزاهة العمليّة الانتخابية إلى حدّ كبير بعد الثورة. كما تعاقبت على حكم البلاد في الفترة الانتقالية تسع حكومات على الأقلّ، وتراوحت بين ائتلافية وتكنوقراط، وذلك بناء على نتائج صندوق الاقتراع حينا، واستجابة لإكراهات الوضع الاقتصادي حينا آخر. ونجح التونسيون في تأمين تداول سلمي علي السلطة في مراحل مختلفة، واحتكموا غالبا إلى الحوار في فضّ نزاعاتهم، وحلّ خلافاتهم (تجربة الحوار الوطني 2013 مثالا) وفي بلورة دستور تقدّمي/ توافقي سنة 2014، ضمن الحرّيات والمساواة والفصل بين السلطات.

كثيرا ما استغلّت قوى مضادّة للثورة الحالة الديمقراطية لتشويه الحدث الثوري وتيئيس الناس من مشروع الدمقرطة

ومع أهمّية ما تحقّق من مكاسب على الصعيد السياسي، يتطلع معظم التونسيين، مع بداية العقد الثاني من زمن الثورة، إلى أن تعرف البلاد حالة استقرار حكومي لضمان سيرورة خَدمية/ تنموية ناجعة. ويأملون أن يكفّ السياسيون عن صراعاتهم الأيديولوجية والجهوية القديمة، ويلتفتوا إلى خدمة الصالح العام. كما يتطلّعون إلى تأسيس المحكمة الدستورية لفضّ مسألة التهافت على تأويل محامل الدستور، والنزاع على الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث (الجمهورية، الحكومة، البرلمان). 
من الناحية الحقوقية، يمكن القول إنّ العقد الذي تلا الثورة هو عقد الحرّيات بامتياز، فقد كفل الدستور الجديد (يناير/ كانون الثاني 2014) الحقّ في حرّية التعبير، والتنظّم، والتجمّع، والتظاهر، وضمن حرّية الضمير، ومنع التمييز على أساس الدين أو اللون أو العرق أو الجنس أو على أساس الانتماء الطبقي أو الحزبي، فالجميع متساوون في حقّ المواطنة وأمام القانون. وسمح ذلك للمواطن بأن ينخرط في الشأن العامّ، ويساهم في التأثير على صنّاع القرار، فتعدّدت المنابر الإعلامية والحركات الاحتجاجية بشكل غير مسبوق في تاريخ تونس. وتراجعت سطوة النظام الحاكم إلى حدّ ما، فهو لم يعد يمتلك الشارع، ولم يعد يحتكر الفضاء الإعلامي. ومع أهمّية إعلاء المكاسب الحقوقية، فإنّه من المهمّ ضبط ممارسة الحقّ باحترام القانون ومراعاة الصالح العامّ، فكثيرا ما استغلّت قوى مضادّة للثورة الحالة الديمقراطية لتشويه الحدث الثوري وتيئيس الناس من مشروع الدمقرطة، وترذيل التعدّدية السياسية، وتعطيل أعمال مجلس نوّاب الشعب وترويج خطاب الحنين إلى زمن الديكتاتورية (الحزب الدستوري الحر مثالا). وفي ظلّ أجواء الحرية شبه المطلقة، غير المضبوطة بقوانين صارمة، أصبحت منابر إعلامية معاول هدم تستهدف الثورة، وأبواقا لخطاب الكراهية والدعاية للشعبوية والنظام القديم. وفهم آخرون خطأً حقّ الاحتجاج، فانصرفوا به عن السلمية إلى النهب والسرقة والعنف، وارتكبوا أعمالا عدائية ضدّ الممتلكات العامّة والخاصّة، وعطّلوا المرافق الاقتصادية الحيوية، وأضرّوا بالمجموعة الوطنية. وذلك لمحدودية ثقافة الاحتجاج عندهم، ولغياب الدولة وعدم إنفاذ القانون ضدّ المخالفين.

ورثت الثورة عن النظام القديم اقتصادا ريعيا، هشّا، هيمنت عليه الأسرة الحاكمة وعائلات متنفّذة، نهبت أموال التونسيين، واحتكرت السوق والثروة

ومن المهمّ الإشارة إلى أنّ إطلاق مشروع العدالة الانتقالية في تونس محطّة بارزة خلال العقد المنقضي، فقد كشفت هيئة الحقيقة والكرامة، من خلال آلاف الشكاوى التي تلقّتها، ومن خلال أعمال البحث والتقصّي، ولقاء عدد كبير من ضحايا الاستبداد، الانتهاكات الجسيمة الفادحة التي ارتكبتها الدولة البوليسية القامعة ضدّ آلاف المواطنات والمواطنين، وذلك على خلفية معارضتهم النظام الرئاسوي، البوليسي، الشمولي، الغاشم الذي جثم على صدور التونسيين طويلا. ويتطلّع طيفٌ معتبر من التونسيين خلال العَقد المقبل إلى إقامة دولة الحق والواجب، وإنفاذ القانون، ويأملون أن تطبّق الدولة مخرجات العدالة الانتقالية، وتعتذر لمواطنيها ضحايا الاستبداد، وتجبر الضرر الذي لحق بهم مادّيا ومعنويا، على نحو يساهم في تضميد الجراح، ومدّ جسور الثقة بين الحاكم والمحكوم. 
اقتصاديا، ورثت الثورة عن النظام القديم اقتصادا ريعيا، هشّا، هيمنت عليه الأسرة الحاكمة وعائلات متنفّذة، نهبت أموال التونسيين، واحتكرت السوق والثروة. ولم تبذل الحكومات المتعاقبة، طوال العشرية المنقضية، جهودا جادّة لمكافحة لوبيات الفساد والاحتكار، ولم تسترجع سوى النزر من الأموال المنهوبة، وحافظت على المنوال التنموي التقليدي. واستفحلت أزمة الاقتصاد التونسي بسبب غلق السوق الليبية، وتراجع مردودية قطاع السياحة نتيجة العمليات الإرهابية وجائحة كورونا. لذلك تزايدت نسب البطالة والفقر. وتلاشت الطبقة الوسطى نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع المقدرة الشرائية للمواطنين. ويُفترض أن يتّجه أصحاب القرار مستقبلا إلى تشجيع المبادرة الفردية، ودعم أصحاب المشاريع الصغرى. ومن المفيد أن تبعث الدولة مشاريع تشغيلية وتُنوّع مصادر تمويلها على نحو يحدّ من بطالة الشباب، ويُرفّع من نسق التصدير بدل التوريد، ويرتقي بالبلاد من اقتصاد ريعي/ استهلاكي إلى اقتصاد تشغيلي/ إنتاجي.
ختاما، يمكن القول إنّ تونس نجحت نسبيّا، خلال العقد المنقضي، في تجاوز معضلات الزمن الانتقالي الصعب، وأسّست لنواة دولة ديمقراطية، خصوصا في المستويين، الحقوقي والسياسي. ولكنّ تجذير الدمقرطة يقتضي تكاتف الجهود لتعميم الثقافة الديمقراطية وتثمين مكاسب الثورة ومراجعة نواقصها بالنقد والتطوير، والعمل على تحقيق نهضةٍ اقتصاديةٍ شاملة، تجعل المواطن يُدرك الأثر الإيجابي للثورة والديمقراطية في حياته المعيشية اليومية، فالمعادلة المنشودة هي رفد الحرّية بالتنمية تحقيقا للرفاه والاستقرار لا محالة.