تظاهرات السودان وثورة الملح

تظاهرات السودان وثورة الملح

10 ديسمبر 2021

حشد من السودانيين يتظاهرون في الخرطوم ضد الانقلاب (30/10/2021/الأناضول)

+ الخط -

تستمر التظاهرات (المليونيات) السودانية الأسبوعية منذ انقلاب قائد القوات المسلحة، الفريق عبد الفتاح البرهان العسكري، في 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، على الرغم من توقيع رئيس الوزراء العائد، عبدالله حمدوك، اتفاقا منفردا مع المكون العسكري، وهو ما يوحي بإصرار الشارع السوداني على إسقاط الانقلاب سلميا، وهذا أمرٌ حسن يبعث على التفاؤل بالمستقبل. لكن، من ناحية أخرى، تدفعنا "المليونيات" السودانية إلى مزيد من التفكير في الأشكال والتكتيكات النضالية، سيما بما يخص دورها وتأثيرها ونتائجها، خصوصا بعد الإعلان عن تسوية البرهان - حمدوك، فقد ساهمت التسوية في تشكيل ستار بات يحجب حيثيات الانقلاب اليومية، باستثناء بعض مظاهر عنف السلطة المنقلبة المفرط، الأمر الذي ساهم في تراجع حجم الضغوط الخارجية الممارسة على المنقلبين، وسرّع من صدور البيانات والتصريحات الإقليمية والدولية التي كانت تدعم المنقلبين سرّا في المرحلة التي سبقت إعلان التسوية. وعليه، فقد تخلّص المنقلبون من بعض الضغوط السياسية والإعلامية، أو من جزء مهم منها، إذ لم يعد الانقلاب مشكلة بحد ذاته.

في المقابل، تعمل المليونيات الأسبوعية وسائر أشكال النضال السلمي التي ترفض الانقلاب على نزع شرعيته، داخليا وخارجيا، وهو ما يدفع المنقلبين إلى اتّباع سياسات واستراتيجيات احتوائية مختلفة. من أشهرها القمع المفرط والقتل الوحشي، عبر إطلاق يد الأجهزة الأمنية والعسكرية والمليشيات التابعة لقادة الانقلاب. أو من خلال تسويف الحقائق ومحاولة بثّ أماني خادعة، عبر تصريحات قادة الانقلاب المضلّلة غالبا، والتي ترسم واقعا ومستقبلا مزهرا معاكسا لممارساتهم وتوجّهاتهم الميدانية، وكذلك من خلال بعض المبادرات السياسية التي تحاول قسم الشارع المحتج ودفعه نحو اليأس، كما في تعويلهم على نتائج تسوية البرهان - حمدوك الداخلية. وأخيرا، من خلال مراهنتهم على الزمن، أي على عدم ديمومة الحركة الشعبية الاحتجاجية، وعدم قدرتها على الصمود والنضال، مقارنة بقدرة معسكر المنقلبين، وهو ما يخضع إلى شكل الاحتجاج وطبيعته أولاً، وبظروف السودان وطبيعتها السياسية والاقتصادية ثانياً.

تعمل المليونيات الأسبوعية وسائر أشكال النضال السلمي التي ترفض الانقلاب على نزع شرعيته، داخليا وخارجيا

لم يشكّل عنف النظام ودمويته عائقا رئيسيا أمام استمرار المد الثوري، كما لوحظ من تجربة الحركة الثورية السودانية منذ موجتها الأولى إبّان إطاحة رئاسة عمر البشير وصولا إلى اليوم، بل أجّج هذا العنف والإجرام من لهيب الحركة الثورية، ودفعها نحو مزيد من التماسك والإصرار. كما لم تفلح محاولات المنقلبين في شقّ الصف الشعبي، أو حتى صفّ لجان المقاومة، كما لم تنجح محاولاتهم في ترويج انقلابهم، على الرغم من نجاحهم في دفع حمدوك إلى توقيع اتفاق تسوية مجاني، لا يلزمهم بأي شيء، ولا يمنح حمدوك أي مكسبٍ مهما كان صغيرا، سوى عودته شبه الشكلية إلى رئاسة مجلس الوزراء. بل قد يصحّ استنتاج أن خطابهم وممارساتهم اليومية ومحاولات تسويق انقلابهم قد ارتدّت عكسا عليهم؛ ولو نسبيا؛ فكأنهم يخسرون جزءا ولو بسيطا من الكتلة التي صمتت عن، أو دعمت خطوتهم الانقلابية في بداياتها. كما ساهم توقيع حمدوك على تسوية مع المنقلبين في تمتين ثقة الكتلة الاجتماعية المحتجّة بتوجهات لجان المقاومة الشعبية ومواقفها، ما ساعد في رفع السوية التنظيمية وزيادة العزيمة الثورية أو حافظ عليها بالحد الأدنى.

لكن الخشية كل الخشية من طول زمن المواجهة ومن تأثير الظروف الاقتصادية واليومية على فاعلية الحركة الاحتجاجية والثورية وتماسكها، الأمر الذي يتطلّب استراتيجية نضالية متقنة تحافظ على معنويات الكتلة الاجتماعية وعلى إمكاناتها النضالية أولا، وتُضعف من قدرات معسكر المنقلبين ثانيا. وهو ما يتطلّب فهم مجمل الوضع السوداني، لا سيما اليومي والاقتصادي منه، فعادة ما يكون العامل الاقتصادي عاملا حاسما في طول النفس النضالي من عدمه من ناحية، وفي نجاح الشارع أو فشله في تحقيق أهدافه وتطلّعاته المرجوّة. إذ نجد في المؤشّرات الاقتصادية السودانية أن ناتجها المحلي الإجمالي السنوي يبلغ وسطيا قرابة 30 مليار دولار، كما يبلغ العجز الحكومي قرابة 11% من مجمل ناتجها المحلي، ويبلغ إجمالي الدين الخارجي السوداني 56 مليار دولار قبل تخفيضه من البنك والصندوق الدوليين، عبر اتفاقية إعفاء الدول الفقيرة المثقلة بالديون، حتى أصبحت قرابة 22.5 مليار دولار. لكن مسلسل الاستدانة لم يتوقف، كما اتضح في مؤتمر باريس الذي حاول تأمين قرض بقيمة 1.6 مليار دولار من أجل سداد بعض الديون المتراكمة مستوجبة الدفع. كما نجد، من ناحية أخرى، تمتع السودان بثروات باطنية وطبيعية عديدة، أبرزها النفط والذهب والصمغ العربي والثروات الزراعية والحيوانية، إلا أن عائداته المالية منها أقل بكثير من إمكاناته المتوفرة لسببين: الأول يرتبط بنمط الاقتصاد الريعي غير المنتج الذي يرفض الاستثمار المتطوّر والمنتج في هذه الثروات والإمكانات. والثاني يعود إلى ترهّل مؤسسات الدولة لصالح نفوذ القوى المسلحة النظامية وغير المنظّمة، أي المليشيات التابعة لقيادات المجلس العسكري، وتلك الخارجة عن سيطرته. الأمر الذي يغذّي اقتصادا موازيا خارجا عن سيطرة مؤسسات الدولة ومتابعتها، بعضها ذات استثمارات مشرعة قانونيا كشركات المؤسسة العسكرية المعفاة من أي التزاماتٍ مالية، جمركية وضرائبية، وبعضها مفروضٌ قسرا بحكم الأمر الواقع كقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي التي تسيطر على تجارة الذهب، حيث تقدّر مؤسسات دولية عائدات الذهب والنفط والثروات السودانية المهرّبة عبر مليشيات الأمر الواقع، بما يزيد عن سبعة مليارات دولار سنويا، وهو عائد كاف لسد عجز الميزانية السنوية ولسداد الدين العام.

تقدّر مؤسسات دولية عائدات الذهب والنفط والثروات السودانية المهرّبة عبر مليشيات الأمر الواقع، بما يزيد عن سبعة مليارات دولار سنوياً

توضح الأرقام السابقة مدى قوة مليشيات الأمر الواقع، وخصوصا قوات الدعم السريع، كما توضح مدى استقلاليتها الاقتصادية، الأمر الذي يمنح قياداتها، وبالتالي قيادات المجلس العسكري الذي يضم المليشيات، قوة واستقلالية اقتصادية عن مؤسسات الدولة والمجتمع ودوائرهما، بمعنى قد لا تتأثر عوائد هذه المليشيات بمظاهر الاحتجاج التقليدية، مثل المليونيات والإضراب العام والعصيان المدني، إن لم يطاول مناجم الذهب وخطوط التهريب ومناطق نفوذها الاقتصادي عموما. وهو ما يتطلّب أخذ هذه العوامل بعين الاعتبار من لجان المقاومة الشعبية، كي تعمل على تطوير آليات الاحتجاجات الشعبية ومساراتها بما يحاصر هذه المليشيات، ويمنعها من الاستمرار في نهب ثروات السودان بصورة تحاكي تجربة الهند التاريخية؛ ثورة الملح؛ إبّان الاحتلال البريطاني، الثورة التي قادها غاندي من أجل مجابهة احتكار الملح بريطانيا، عبر مسيرةٍ سلميةٍ تجوب مدن الهند نحو المناطق الساحلية، بهدف استخراج الملح بالتبخير من دون دفع ضريبة الملح، وهي الثورة أو المسيرة التي شكلت جزءا هاما من حركة استقلال الهند لاحقا، وعاملا رئيسيا في فضح المستعمر ومحاصرته دوليا، من خلال فهم آليات الاحتلال الاقتصادية والحوامل الاقتصادية الفاعلية اجتماعيا، فهل نعي اليوم دروس هذه الثورة؟ ونعمل على تطوير منظورنا وحركتنا الثورية من زاوية اقتصادية؟