تداعيات غياب المحكمة الدستورية في تونس

23 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

يشهد الزمن الانتقالي الذي يلي تحوّل شعب ما، من حقبة الدولة الأحادية إلى عصر الدولة التعدّدية، حالة من التنافس المحموم على الصلاحيات والمسؤوليات بين الفاعلين السياسيين، وتباينا حادّا في تمثّل محامل المدوّنة الدستورية وتنزيلها في الواقع، إلى درجة أنّ كلّ طرف يتأوّل الدستور على طريقته، ويدّعي امتلاك حقيقته. وكثيرا ما يؤدّي هذا الصراع إلى تشتّت النظام السياسي، وإحداث إرباكٍ في تسيير الدولة. ويُشيع ذلك في المواطنين شعورا يراوح بين الإحساس بالإحباط واللايقين إزاء الحالة الديمقراطية. وقد انتبهت الديمقراطيات العريقة إلى ضرورة إحداث جهازٍ قضائي قارّ، يُعنى بمراقبة دستورية القوانين وتطبيق محامل الدستور وضمان علويته، وفضّ الخلافات الناجمة عن تباينٍ في فهم فصوله، ويتولّى ذلك الجهاز تنظيم العلاقات بين السلطات، وتحديد صلاحيات كلّ منها على نحو يضمن سيْرورةً ناجعة للنّظام السياسي. وفي هذا السياق، تمّ إحداث المحكمة الدستورية في الولايات المتحدة الأميركية، وألمانيا الفيدرالية، وتمّ بعث المجلس الدستوري في فرنسا. وفي تونس، نصّ دستور 2014 (الفصل 148ـ 5)، على أن يتمّ "إرساء المحكمة الدستورية في أجلٍ أقصاه سنة بعد تنظيم الانتخابات التشريعية (26 أكتوبر/ تشرين الأول 2014)"، ويُفترض أن "تتكوّن من 12 عضوا، "يعيّن كلّ من رئيس الجمهورية ومجلس نوّاب الشعب والمجلس الأعلى للقضاء أربعة أعضاء". ثم مضت خمس سنوات بحالها على انقضاء الأجل القانوني، ولم تَرَ المحكمة الدستورية التونسية النّور، وذلك في ظلّ تقصير واضح من الأطراف السياسية المسؤولة. ولغياب هذا الهيكل القضائي تداعيات خطيرة على المشروع الديمقراطي في تونس، من الناحيتين القانونية والسياسية. 

تساهم المحكمة الدستورية بموجب الدستور (2014)، في تنظيم العلاقات بين السلطات، وتحديد اختصاصات كلّ منها، والفصل في النزاع على الصلاحيات

تتمتّع المحكمة الدستورية، بمقتضى الدستور التونسي الجديد، بصلاحيات واسعة واختصاصات حيوية، فيُفترض أن تُمارس هيئة المحكمة المذكورة رقابة قبْلية (مسبقة) على القواعد القانونية الصّادرة عن مجلس نوّاب الشعب، فتنظر في مدى ملاءمتها روح الدستور، وذلك قبْل أن يوقّع عليها رئيس الجمهورية. كما بإمكانها ممارسة رقابة بعْدية (لاحقة) على النصوص التشريعية التي دخلت حيّز النفاذ، والدفع بعدم دستوريتها في حال تعارضت مع المقاصد العامّة للدستور. وفي غياب المحكمة الدستورية، تمّ إحداث الهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين، وهي هيئة قضائية ظرفية، صلاحياتها محدودة، لا تتجاوز حدّ القيام مؤقّتا بمراقبة مسبقة لمدى دستورية مقترحات القوانين التي صدّق عليها مجلس نوّاب الشعب.

وأدّى تهاون أصحاب القرار في إنشاء المحكمة الدستورية، وارتهانهم إلى التنازع في اختيار أعضائها إلى إخلالاتٍ قانونية عدّة، لا تليق بمسار الدمقرطة والتحديث التشريعي في تونس. ففي غياب هذا المرفق القضائي المهمّ، من المُحال القيام بأيّ تعديل لدستور 2014 أو تدارك ما اعتراه من فجوات أو هنات أو غموض أو نقائص. ومن المُحال أيضا الاعتراض على المعاهدات الدولية التي وافق عليها البرلمان. كما يصعُب التثبّت من سلامة نظامه الداخلي، ومدى مطابقته محامل الدستور. يضاف إلى ذلك أنّ غياب المحكمة الدستورية يؤدّي، عمليّا، إلى تعذّر القيام بمراجعة بعْدية (لاحقة) للقوانين القديمة التي دخلت حيّز النفاذ، وهو أمر من اختصاص المحكمة الدستورية حصْرا. ونتيجة ذلك الغياب، يبقى التونسيون رهائن تشريعات شمولية، بالية، وضعتها الدولة القامعة قبل الثورة. وهي تشريعاتٌ وردت في شكل قوانين مبثوثة في مجلّة المرافعات المدنية والتجارية، والمجلّة الجزائية، ومجلّة المرافعات والعقوبات العسكرية، أو في شكل مناشير وزارية، ترتيبية، ذات صبغة آمرة، سالبة للحرّية، وتتعارض مع حقوق الإنسان وروح الدستور الجديد. من ذلك المناشير المتعلّقة بالتضييق على حرّية الضمير، والمنشور المعروف بإجراء S17، الذي يقيّد حرّية تنقّل الأفراد، ومنشور منع اللباس الطائفي (الحجاب) الذي يتعارض مع مبدأ حرّية اللباس الذي أقرّته المواثيق الحقوقية الدولية. ومعلوم أنّ استمرار مثل هذه التشريعات التمييزية يُعدّ مَثلبةً في المنوال الديمقراطي التونسي، ويتعارض مع معاهدات دولية صدّقت عليها الجمهورية التونسية.

تعدّدت الأسئلة الخلافية بشأن منطوق الدستور، وكان في الوسع الحسم في الإجابة عنها في حال كانت المحكمة الدستورية موجودة

على صعيد آخر، تساهم المحكمة الدستورية بموجب الدستور الجديد (2014)، في تنظيم العلاقات بين السلطات، وتحديد اختصاصات كلّ منها، والفصل في النزاع على الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس المجلس النيابي. وعليها المعوّل في الفصل في قضايا الفراغ السيادي النّاجم عن إعفاء رئيس الجمهورية أو استقالته أو تعذّر مباشرته مهامّه، فهي المعنيّة بإجراء تدابير استمرار هذا المرفق الحيوي. والواقع أنّ غياب المحكمة الدستورية عن المشهد الانتقالي أربك الحياة السياسية في البلاد، وتجلّى ذلك في مستويات مختلفة، ففي مستوى توزيع المهام والصلاحيات وتحديد الاختصاصات، عرفت تونس، في مناسباتٍ عدّة بعد الثورة، تنازعا حادّا على الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية، أعني مؤسّستي الرئاسة والحكومة، وكذا صراعا محموما على الاختصاصات بين رئيسي الجمهورية والبرلمان. والأمثلة في هذا الخصوص كثيرة، مثل الخلاف الذي جدّ بين رئيس الجمهورية السابق منصف المرزوقي ورئيس الوزراء السابق حمّادي الجبالي على خلفية تسليم المسؤول الليبي الرفيع في نظام القذافي، البغدادي المحمودي، إلى السلطات الليبية، وتحميل كلّ منهما الآخر المسؤولية في هذا الشأن. وكذا النزاع على الصلاحيات بين الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي ورئيس الحكومة السابق يوسف الشاهد، فقد حاول الأوّل تنحية الثاني من منصبه، بسبب اعتراضه على تعديل وزاري قام به الشاهد في فريقه الحكومي سنة 2018. والحال أنّ ذلك ليس من مشمولات رئيس الجمهورية. والتنازع مشهود حاليّا من خلال التنافس بين الرئيس قيس سعيد ورئيس الحكومة هشام المشيشي على تسيير الحكومة والتحكّم في دواليبها ومساراتها، واختيار مستشاريها ووزرائها. وأثارت حادثة تخلّي رئيس الحكومة عن وزير الثقافة صباحا، ومبادرة رئيس الجمهورية بتثبيته في منصبه مساء ثمّ إقالته لاحقا حفيظة كثيرين في الشارع التونسي الذين استغربوا اضطراب القرار السيادي في البلاد، واستعجبوا احتدام الصراع على الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية. كما أنّ التنازع على الاختصاص حاضر في مستوى علاقة رئاسة الجمهورية برئاسة البرلمان. فكثيرا ما توتّرت العلاقة بين الطرفين على خلفية مبادرة رئيس البرلمان، راشد الغنوشي، بإبداء مواقفه من قضايا خارجية (الأزمة الليبية مثالا)، وهو ما عدّه رئيس الجمهورية سطوا على مجال اختصاصه، في حين برّر الغنوشي سلوكه بأنّه يندرج في إطار ما يُعرف بالدبلوماسية البرلمانية. وفي سياق متّصل، احتدم الجدل بشأن تنحّي حكومة إلياس الفخفاخ. هل كان الأوْلى اعتماد استقالته المقدّمة إلى رئيس الجمهورية أم لائحة سحب الثقة التي أودعها ضدّه النواب؟ هل كان يفترض مساءلته أمام البرلمان بعد تنحّيه؟ وتباين دارسون في شأن اختيار رئيس الجمهورية، قيس سعيد، الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة. هل يُفترض أن يتمّ ذلك بناء على مشاورات مباشرة أم غير مباشرة مع الأحزاب؟ ما هي مواصفات الأقدر؟ هل يتعيّن أن يكون من بين الأسماء التي اقترحتها الأحزاب أم من خارجها؟

التهاون في إرساء المحكمة الدستورية وعدم توافق الفرقاء على اختيار أعضائها يعطّل سيرورة الانتقال الديمقراطي

تعدّدت الأسئلة الخلافية بشأن منطوق الدستور، وكان في الوسع الحسم في الإجابة عنها في حال كانت المحكمة الدستورية موجودة. ومن ثمّة، فعموم النّص الدستوري، وافتقاره للتفصيل الدقيق في بعض المسائل، فتح الباب لكثرة مسالك الفهم، واحتكر رئيس الجمهورية سلطة تأويل الدستور باعتباره الضامن لتطبيقه في غياب المحكمة الدستورية. وبذلك، اتّضح أنّ عدم وجود هذا الهيكل القضائي الحيوي غذّى وتيرة الخلاف والتنافس على الصلاحيات، وقلّل من فُرص التضامن والتنسيق بين الهيئات السيادية الحاكمة. يضاف إلى ما تقدّم أنّ لغياب المحكمة الدستورية انعكاسات سلبية على سيرورة النظام الديمقراطي زمن الأزمات. ففي حال تعذّر على رئيس الجمهورية ممارسة مسؤولياته بسبب طارئ ظرفي (مرض، سفر، دواع أمنية ..)، أو بسبب توقّف نهائي عن أداء مهامّه (وفاة، إعفاء، استقالة)، يُحتاج إلى المحكمة الدستورية لترتيب تدابير سدّ الشغور الحاصل. وإلّا فإنّ البلاد يُمكن أن يعتريها اضطراب يُربك المسار السياسي والسلم الاجتماعي. كما أنّ إعفاء رئيس الجمهورية في حال قيامه بـ"خرْق جسيم للدستور"، يبقى صعبا في ظلّ عدم وجود المحكمة الدستورية، المحمول عليها التكييف القانوني للفعل الذي أتاه الرئيس واعتباره موجبا للإدانة والإعفاء من عدمه.

ختاما، التهاون في إرساء المحكمة الدستورية وعدم توافق الفرقاء السياسيين على اختيار أعضائها يعطّل سيرورة الانتقال الديمقراطي في تونس، ويبعث رسائل سلبية للداخل والخارج. وأحرى بأصحاب القرار بذل الجهد والتحلّي بروح المسؤولية، وتقديم المصلحة العامّة على المصالح الضيّقة، حتّى ترى المحكمة الدستورية النور، لأنّ وجودها سيكون دعامة متينة لمشروع الحوكمة والدمقرطة بالبلاد لا محالة.