انتخابات 2021 ومآزق المشهد الحزبي المغربي

17 ديسمبر 2020
الصورة

مغربي يدلي في الرباط بصوته في الانتخابات النيابية (7/10/2016/فرانس برس)

+ الخط -

لا شيء في المشهد الحزبي المغربي يوحي بأننا على أبواب استحقاقات مقبلة في أكتوبر/تشرين الأول 2021، حيث ستجري الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية. هل نفسّر ذلك بمناخ الأزمة الصحية، في مجتمع متخلفٍ ومتعثرٍ في مساره الديمقراطي، يواجه تحدّيات عديدة في الشمال والجنوب؟ هل نفسّره بمواصلة عزوف شبابه عن السياسة ومؤسساتها، واكتفائهم بالتحليق في فضاءات التواصل الاجتماعي؟ هل نفسّره بالتغيير العام الذي لحق المجتمع، ولم ينتبه إليه الماسكون بأحزابٍ لم يعد يَزور مقرّاتها ولا يقرأ صحافتها أحد؟ السؤال الأول هنا، ماذا أَعَدَّت أحزاب الأغلبية التي يقودها اليوم حزبٌ محافظٌ للدورة الانتخابية المقبلة في أكتوبر/تشرين الأول 2021؟ وماذا فعلت أحزاب المعارضة من أجل مواجهة حزب العدالة والتنمية؟ ويبقى، بعد ذلك، سؤال آخر يتعلق بباقي الأحزاب المؤثّثة للتعدّدية الحزبية في المغرب، حيث يَحِقُّ لنا أن نفكّر في بنية التعدّدية السياسية في المجتمع المغربي، وقد تحولت اليوم إلى بنيةٍ عدديةٍ متناسخةٍ ومتشابهةٍ لغةً وقيماً وأفقاً؟ 

لم يتمكّن المغرب في العقدين المنصرمين، من وضع المجتمع المغربي في طريق بناء مشروع مجتمعي، ونموذج تنموي وقيمي

قبل الإجابة على بعض هذه الأسئلة، يشار أولاً هنا إلى أمرين: يتعلق أولهما بظاهرة استمرار عزوف الشباب عن العمل السياسي المؤسسي، أي الانخراط في الأحزاب التي تملأ المشهد السياسي في المغرب، سواء منها الأحزاب التي تواصل حمل تركة الحركة الوطنية، المحافظة منها واليسارية، أو الأحزاب الإدارية التي أصبح ينعتها النظام السياسي بأحزاب الوسط، وتُستعمَل لترميم الأغلبيات التي تمارس الحكم، بحكم أن النظام الانتخابي لا يسمح بتركيب أغلبية مطلقة. كما أن الشباب لا ينخرط في الأحزاب والجمعيات التي استأنست بلغةٍ جذريةٍ مناسباتية، من دون حضور وازن، لا في الشارع ولا في الوعي الجمعي ولا في متطلبات العمل السياسي التاريخي، القادر على التفاعل مع القضايا الكبرى في المجتمع المغربي، الأمر الذي أدَّى إلى تصلُّب العمل الحزبي وسقوطه في نوعٍ من الرتابة التي تجعل حضوره أشبه بغيابه.. إلا أن الجديد في هذا الموضوع يتعلق بتزايُد حضور الشباب النافر من المؤسسات داخل شبكات الفضاءات الرقمية التي أصبحت اليوم عنواناً لمؤسساتٍ جديدة، تفوق المؤسسات الحزبية ومؤسسات المجتمع المدني عدداً وكثافة. وتمارس، بين حينٍ وآخر، حضوراً يفوق ما ألفناه في تجمّعات الأحزاب، يوم كان لها تجمعاتٌ وأنشطةٌ وصحافةٌ ومؤتمراتٌ ومواقف، أي يوم كانت تصنع الحدث بخياراتها ومواقفها ونضالات رجالها ونسائها وشبابها وتنظيماتها القطاعية.

لا حركة في المشهد الحزبي المغربي توحي بأننا ننتظر، بعد أشهر، انتخاباتٍ تجدّد المؤسسات المنتخَبة، وتُطَوِّر الأداء السياسي في مجتمعٍ تواجهه، بجانب التحدّيات الجديدة المترتبة عن انتشار وباء كورونا وتداعياته، تحدّياتٌ بنيويةٌ في السياسة والاقتصاد والمجتمع، وكأن الجميع ينتظر تدبيراً محدّداً من جهة ما، يعتبرها الجميع وحدها القادرة على فعل ذلك، بالصورة المناسبة لمختلف مكوِّنات المشهد السياسي.

لا حركة في المشهد الحزبي المغربي توحي بأننا ننتظر، بعد أشهر، انتخاباتٍ تجدّد المؤسسات المنتخَبة، وتُطَوِّر الأداء السياسي

لم يتمكّن المغرب في العقدين المنصرمين، وفي الحكومات التي اضطلعت في هذه المرحلة مما سمي العهد الجديد، من وضع المجتمع المغربي في طريق بناء مشروع مجتمعي، ونموذج تنموي وقيمي، يُسعفه بتحقيق ما تطلع إليه المغاربة منذ الاستقلال، أي بناء مجتمع جديد مستقل، ومتصالح مع ذاته ومع العالم، فقد ظل الفاعل السياسي في مطلع الألفية الثالثة خاضعاً للنظام السياسي المخزني الجديد الذي لا يثق في الفاعل السياسي، حتى عندما يُبْرِمُ معه العهود ويعلن ولاءه ونزوعه الإصلاحي، كما حصل في تجربة حكومة التناوب التوافقي التي قادها عبد الرحمن اليوسفي 1998-2002، بعد أربعة عقود من المواجهة والمعارضة والمقاطعة. واستمر كذلك في أول حكومة بعد حركة 20 فبراير ورياح الربيع العربي، وإعلان دستور 2011، المتقدّم في كثير من مبادئه العامة، مقارنةً مع ما سبقه من دساتير.

آن الأوان اليوم، وليس غداً، للبحث عن مصادر الخلل، والتفكير في كيفيات رفعها. لماذا لم تنجح النخب التي ناضلت أربعة عقود دفاعاً عن قيم العدالة في تدبير (إدارة) السياسات العامة بطريقة تمكِّن من بناء أسس جديدة وخطط ناجحة في العمل والتجاوز، وذلك على الرغم مما تتوفر عليه من أطر وتجارب؟ ولماذا لم ينجح تيار الإسلام السياسي الذي حملته رياح الربيع العربي زمن تشرذم قوى اليسار، حملته إلى منصّة التدبير في سياق دستور جديد يُخوِّل إمكانية الفعل الصانع لمردودية سياسية أكبر، واكتفى بالتغنِّي بالاستقرار والتصالح، ونسي شعارات "20 فبراير". هل يتعلق الأمر في تجربة السنوات العشر الماضية 2011 - 2020 بانعدام التجربة ونُدرة الكفاءات؟ أم أن الأمر في الحالتين معاً يتعلق بالأصابع الخفية!

أحزاب وطنية منهكة وبدون أفق، وأحزاب إدارية استأنست بالفرجة واقتسام الغنائم. وأحزاب اليسار تواجه تحدّيات وَرَّطت نفسها فيها

لا شيء في الاجتماعات التي تعقدها الأحزاب المغربية مع وزارة الداخلية، قصد ترتيب الإجراءات والتوافقات المطلوبة من أجل تجديد النخب، وتجاوز أشكال الخلل التي حصلت في الدورة الانتخابية السابقة. لا شيء يشير إلى أننا أمام فصل جديد في مشروع تطوير الأداء الديمقراطي في بلادنا، الحزب الأغلبي يحلم بولاية ثالثة، والمعارضة تتطلع إلى زحزحته. والنقاش يتواصل حول لوائح الشباب والنساء، وحول القاسم الانتخابي ويوم الانتخاب، ونسي الجميع أن الجوهري اليوم في العمل السياسي يتمثل في ضرورة إعادة الاعتبار أولاً للسياسة، والتفكير في مآلات العمل الحزبي، وسط أحزاب تنتظر توزيع المقاعد والحقائب وتحصيل التقاعد قبل العمل، حيث برزت ظواهر جديدة تتعلق بشبابٍ يُحَصِّلون تقاعداً مضموناً قبل بلوغهم سن الثلاثين، وآخرين يُحَصِّلون وظيفة كاتب دولة أو وزير، قبل ولوجهم سوق العمل، وتنتهي مهمة التكليف الوزاري، فَيُحَصِّلون بدورهم تقاعداً مُجزياً مقابل أشهر أو سنوات من الاستوزار.

تضاعفت قيود العمل الحزبي في المغرب اليوم، فنحن أمام أحزابٍ وطنيةٍ منهكةٍ وبدون أفق، وأحزابٍ إداريةٍ استأنست بالفرجة واقتسام الغنائم. أما أحزاب اليسار فإنها تواجه اليوم تحدّيات وَرَّطت نفسها فيها، فقد تحولت إلى أحزابٍ بلا لون ولا طعم، وما أكثرها حسابياً وما أخفَّها خياراتٍ ومواقف، ووسط مشهد حزبي مترهل شبابٌ ينفر من الأحزاب والمؤسسات، وينتقد كل شيء، ويمارس التحليق في الفضاءات الافتراضية من دون قضية محدّدة، وبعضه الآخر ينخرط في الأحزاب، بحثاً عن موقع متقدّم في لائحة الشباب، تمنحه مقعداً في المجالس المنتخبة، وتقاعداً قبل الأوان، أو جرأة في الكلام مخيفة ومخجلة.