المواطنة المشوهة في الدولة المركزية

المواطنة المشوهة في الدولة المركزية

27 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

تعرّف الدولة بأنها مجموعة من الناس منظمة سياسياً، تعيش بصورة دائمة على إقليم جغرافي محدّد، وتخضع لسلطة سياسية وسيادية واحدة، منها المركزية، والتي باتت ترمز إلى الخوف والتسلط، ومنها اللامركزية التي يُعتقد أنها حل جذري للدول المركبة القوميات والشعوب التي عانت من التسلط والحرمان. ودارت كل التعريفات الحديثة حول وصفها بالوحدة القانونية، لتسيير أمور الجماعات البشرية المستقرّة معاً، وعلى أهمية وجود المؤسسات والهيئات الاجتماعية والسياسية، لضمان مراقبة تطبيق القانون الملزم بحماية مصالح الطبقات الاجتماعية وحماية حرياتها وصون رغباتها، من دون تمييز أو تفرقة بسبب اللون أو اللغة أو القومية، والتأكيد على أن الديمقراطية هي الناظم والراعي للاهتمامات الشعبية، والمبدأ الأساس لعمل الدولة. وعلى هذه الأخيرة رعاية العيش ومصير المكونات والجماعات المختلفة وغير المنتمية إلى أرومة واحدة. وبذلك، تكون الدولة ساعية إلى المساواة المطلقة بين الجميع. وحينها يمكن الحديث عن المواطنة بوصفها الراعية لشمول جميع المكونات من دون تمييز. المواطنة من الركائز النظرية المهمة في النظم الديمقراطية التي تنتجها الدولة الحديثة. وهي تستند، بالدرجة الأساس، إلى السلوك الإنساني الجامع داخل الدولة، بما تمليه عليه القوانين الناظمة لعلاقة الأفراد بعضهم ببعض، حيث تُعتبر المواطنة من الممارسات المميزة في الدول الراقية، وتحديداً بسبب حاجة المواطنة إلى رافعةٍ لتفعيلها وتطبيقها، تتجسّد بالنظام السياسي الموجود في مكانٍ ما. لكنها تعرّضت إلى ضرباتٍ موجعة، جعلت منها عرضةً للانقسام السياسي والشعبي حيالها، خصوصا في الدول المركّبة التي مارست نظاما سياسيا مركزيا صلبا، لا مجال فيه للتعبير خارج إطار القوننة التي كبتت المواطنة. وعلى اعتبار لا مواطنة من دون ديمقراطية، فإن الدول الخارجة من النزاع، أو المتجهة صوب الديمقراطية، ستجد صعوباتٍ جمّة في تفعيل مبدأ المواطنة ضمن نظام مركزي يحجُب عن الأطراف حقوقها في إقامة رابطة قانونية مع المركز، بناء على توافق سياسي وتشكيلات قانونية تنظم طبيعة العلاقة بين الطرفين، تكون على شاكلة هيئاتٍ دستوريةٍ تشرّع القوانين وتنظم القضاء والموارد الاقتصادية.

المشكلة التي تواجه مجتمعاتنا النظر إلى المواطنة باعتبارها شيئا تاما، ومادّة جاهزة للاستعمال السياسي أو التداولي بين المكونات

ووفقاً لذلك، لا يمكن الحديث عن المواطنة من دون دولةٍ يشعر الفرد بالانتماء إليها، ونظام سياسي يقدّم ضماناتٍ على أن كل الفئات والشرائح في تلك الدولة متساوية في الحقوق والواجبات، وأنها جزءٌ من تلك المجموعة الحضارية، والمرتبطة بشكل هذه الدولة، ودورها الحضاري والإنساني في حمايتها تراث الجماعات البشرية المختلفة المتجاورة في عيشها، وقوانين هذه الجماعات وتاريخها، وبشكل يمكّن الجماعات من الارتباط بسلاسةٍ مع بنيتها الثقافية والإثنية، والتي غالباً ما تتحدّد بالدين أو اللغة، أو كليهما معاً. وفي مقدمة الشروط للشعور بأهمية المواطنة، تأتي قضية ضمان عدم تكرار القتل على الهويّة مرة أخرى، في كل رفضٍ شعبي أو فئوي للاستبداد، وخصوصا أن المشكلة التي تواجه مجتمعاتنا هي النظر إلى المواطنة باعتبارها شيئا تاما، ومادّة جاهزة للاستعمال السياسي أو التداولي بين المكونات، في حين أنها ليست حالة طبيعية مُعطاة تتولد مع الإنسان في فطرته، إنما هي حالة مكتسبة توجد مع الفرد عبر الخصائص والصفات التي يأخذها الإنسان من التربية والتعليم والممارسة والقوانين والدستور وضمان تطبيق بنود المواطنة في الدستور الساعي إلى تطويرها وتحقيقها وتحسين أدائها في جميع مجالات حياته، الفردية والعائلية والاجتماعية والسياسية. وقد فشلت كل هذه الشروط في التحقق والانتعاش خلال مائة عامٍ من النظم المركزية.

المقتلة المقبلة ستكون عبر اعتماد المواطنة عوضا عن اللامركزية نظاما سياسيا، والإصرار على صبغ الوطن السوري بلون واحد

وفي ظل التشويه الذي ناله مفهوم المواطنة، وتعرّضه لكل أشكال القمع والتمييع والتنكيل، يُطرح السؤال الأهم بشأن مستقبل المواطنين في سورية، ودول عربية تتشابه حيال الوضع الجغرافي والإثني والتشنجات والأزمات الاجتماعية: كيف نعيش معاً مُجدداً من دون إلغاء أيَّ مكون أو قومية؟ يُطرح السؤال على ضوء ما مثله وضع المواطنة من إرهاق وابتلاء بآفة الإلغاء قبل كل هذه الحرب، وشلال الدماء، وغيابٍ للهويّة السورية الجامعة، لتأتي الحرب بتفسّخ المجتمعات، وتكبّلها بقيم الانتقام والثأر والقتل على الهويّة، وعقدٍ من الحرب التي جاءت على كامل حياة السوريين وعلاقاتهم. كيف يُمكن بناء دولةٍ وطنيةٍ بمفاهيم عصرية، وأن تكون المواطنة هي الأس في فض الخلافات والتعامل بين الكيانات السياسية في سورية؟ وكيف للمواطنة في سورية أن تحفظ للأشكال الأخرى من الهويّة المجتمعية السياسية حقوقها، خصوصا مع الإصرار المتكرّر منذ نصف قرن، وبعد عقدٍ من الحرب، على أن الجنسية والمواطنة هما صنوان! وبذلك فإن المقتلة المقبلة ستكون عبر اعتماد المواطنة عوضا عن اللامركزية نظاما سياسيا، والإصرار على صبغ الوطن السوري بلون واحد؛ إذ لا علاقة بين الجنسية والمواطنة في دولةٍ تحتوي على أكثر من قومية، ولغة، وإثنية وديانة. من جهة أخرى، فإن تتبع حجم خطاب الكراهية والدعوات إلى القصاص والانتقام، المنتشر في وسائل التواصل الاجتماعي، في كل استذكار لمجزرة أو حدثٍ شهد فقدان أبرياء ومدنيين أرواحهم في بيئات حاضنة، مختلفة المذاهب والانتماءات، يُوضح استحالة أن لا تتحوّل المواطنة ضمن نظام مركزي إلى سيف جديد على الرقاب.

وسط الاستهتار بمصير الملايين من النازحين والمهجّرين واللاجئين، راحت أجيال جديدة تولد من دون تسجيلها لدى ممثليات الحكومة السورية في الخارج

الفقد العميق للمواطنين والشعوب، سواء الأغلبية، أو غير المنتمية إلى أكثرية عددية على طول البلاد وعرضها، للانتماء والأمان والحقوق، وعمق تغوّل الإقصاء والحرمان والتمييز العنصري على الهويّات جميعها، الفرعية وغيرها، سمة مشتركة لكل المكونات والشعوب في سورية، حتّى قبل بدايات الحدث السوري في 2011. وما تسببت به الحرب على/ في سورية من شرخٍ عميق جوهري بين المكونات السورية، مجتمعياً، أخلاقياً، سياسياً، شخصياً، قومياً، شعبياً، أطاح شعار التظاهرة الأولى "واحد واحد، الشعب السوري واحد"، الذي ما عاد يجد له مكاناً في الأوساط والمجتمعات المحلية؛ وذلك كله نتيجة الممارسات والأفعال التي أنتجت مسخاً هويّاتياً قائماً على تفضيل الانتماء العقائدي والإثني على الوطني العام. هذا الفقد هو الذي أنتج شبه استحالةٍ لردم الهوَّة أو تجسير المساحات الشاسعة بين الأطراف الشعبية، عدا عن السياسية منها.
ووسط هذه الدماء التي سالت، والاستهتار بمصير الملايين من النازحين والمهجّرين واللاجئين الذين فقدت أعداد مرعبة منهم الثبوتيات وسندات التمليك، راحت أجيال جديدة تولد من دون تسجيلها لدى ممثليات الحكومة السورية في الخارج، في مفارقة إعادة رسم تلك المأساة التي عاشها الكُرد في سورية لنصف قرن، واستحالة عودتهم إلى مناطقهم من دون ضمانات لعشرات العقود المقبلة، بعدم تكرار الاعتداء، وهو ما يتطلب نظاماً سياسياً لا بديل فيه عن اللامركزية.

أثبتت التجارب الإقليمية والدولية نجاح اللامركزيات في صون تجربة المواطنة إطارا شرعيا وقانونيا حقوقيا للفاعلية السياسية

تصر أطراف سياسية على التمسّك بطرح المواطنة على أنها الحل السحري لكل المشكلات السورية، من دون ضمانات بعدم تكرار التسلطية المركزية، التي لا تراعي ولا تحترم هويّات الجميع، ولا حساسياتهم المجتمعية، بل تلجأ إلى الإنكار وسياسات الإلغاء، بما فيها للمنتمين إلى الأكثرية نفسها، حال اعتراضهم على الظلم، وتالياً يصعب الاندماج، ما يغذي نزعة الانطواء. اللامركزية هي ما يُمكن لها حماية المكونات جميعها، الأقليات والأكثرية، القوميات المغايرة، وجميع المكونات والشعوب، وهي ليست طرحاً خاصاً لضمان مستقبل فئة دون أخرى. تحتاج المواطنة إلى نظام سياسي لامركزي، لتعود إلى جذرها التاريخي في البحث عن الإنصاف والمساواة والعدل وإمكانية تشييد البناء الهوياتي العام وحمايته. اللامركزية السياسية هي التي تحمي المواطنة في أثناء بحثها عن آلياتٍ لمزجِ التاريخ النضالي الطويل للسوريين في سبيل الخلاص والحرية، والحصول على الاعتراف بكيانهم وحقهم بالمشاركة في اتخاذ القرار. في سيرورة الحديث عن الحقوق القانونية والسياسية للجميع ضمن المواطنة، اللامركزية هي الخطوة الأولى في سبيل ترسيخ تلك الحقوق، على قاعدة أنها السبيل الناجح والآمن والحق للتنمية المستدامة وحماية النضال السياسي في سبيل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والبيئية حتّى، لكامل أبناء سورية.
كما أثبتت التجارب الإقليمية والدولية نجاح اللامركزيات في صون تجربة المواطنة إطارا شرعيا وقانونيا حقوقيا للفاعلية السياسية، لضمان شرعية العمل الجماعي الحزبي، والفردي الشخصي. على أمل أن يكون العمل النقابي والمجتمع المدني والإعلام الحر والرأي العام الواعي مصانا ومحفوظ الحقوق وإمكانية العمل، ليكون للمواطنين تأثيرٌ في مضمون القرارات الجماعية الملزمة لهم، مع احترام حقوق الإنسان. اللامركزية ضرورة لكل الجماعات الأهلية في سورية، من خلال فكرتها الجوهرية التي تقوم على توزيع السلطة وأدوات الحكم بين العاصمة الاتحادية والأطراف المتمتعة بسلطة لامركزية، ضامنا لعدم إعادة إنتاج مظلوميات جديدة. وفي المقابل، يؤكد هذا التأصيل أن التحول إلى النظام اللامركزي بشكل كامل أمرٌ غير محفوفٍ بالمخاطر، بل يحمل حلاً للجزء الأكبر من مشكلات الدول النامية، كالدول العربية مثلاً.