المخيم سرديةً فلسطينيةً كبرى

المخيم سرديةً فلسطينيةً كبرى

05 يناير 2022
+ الخط -

تحيل كلمة "مخيم" إلى المؤقت، فهي تتعلق بالزمن، فالمخيم بالتعريف "مكان تُنْصَب فيه خِيام بهدف الإقامة المؤقَّتة". واستخدام الكلمة مع أي عربي تحيله إلى عيش مؤقت ومكان مؤقت أقيّم على عجل وسيزول بعد حين. المخيم ابن المؤقت في اللغة. يحيل استخدام الكلمة عند الفلسطينيين إلى معنى آخر، إلى الجغرافيا، لطول التجربة الفلسطينية في اللجوء، تحوّل معنى الكلمة من المؤقت إلى المكان، وانفصل الزمن عن اللجوء في الاستخدام الشائع بين الفلسطينيين. لم يغيّر الفلسطينيون المعنى اللغوي للكلمة، أو قصدوا هذا التغيير. على العكس، حاولوا إضافة المكان الثابت إلى المعنى المؤقت للمخيم، بوصفه مكاناً مؤقتاً للاجئين، يعيد إلى وطن مُنع عن أصحابه عقودا طويلة، فولِّدت أجيال داخل المخيم، لا ذاكرة لها سوى المكان الذي ولدت فيه. استهلك المخيم المؤقت حيوات أجيال كاملة من الفلسطينيين، وأصبح له تكوينه التاريخي والاجتماعي والسياسي الخاص، وبات سرديةً كبرى من سرديات التجربة الفلسطينية، ليست سرديةً لمؤقتٍ يتلاشى سريعاً في منفى لا يريد أن ينتهي، وليس سردية مؤقتٍ في انتظار وطنٍ تحققت العودة له فبات تاريخياً وذكرى. وفي هذا الانتظار الطويل، تحوّل المخيم إلى وطن ثانٍ، وبات امتدادا لفلسطين، فقد أصبح للفلسطينيين وطن من طابقين، إذا جاز التعبير، وطن اليوم وهو المخيم، ووطن الحق والتاريخ وهو فلسطين. ولأن الفلسطينيين لم يعترفوا بأن الوجود الطويل في أرض الآخرين يحوّلهم إلى ناس آخرين، ينتمون إلى غير البلاد المسلوبة، ويُفقدهم الصلة بوطنٍ سينتظرونه لأن لا وطن لهم غيره. يعتبر أهالي المخيم أنفسهم نسل فلسطين وليسوا نسل آبائهم الذين كانوا الوسيلة لجعلهم ينتمون إلى مكانٍ لم يولدوا فيه، ولدوا بعيداً عنه، لكنهم ولدوا منه على بقعةٍ خارجيةٍ تنتمي إليه كأي بلدة أو قرية أو مدينة فلسطينية، هذه البقعة هي المخيم.

في قضايا اللجوء الأخرى في العالم، لم تختفِ أوطان الآخرين تحت مسميّات أخرى، ولم يحاول المحتل محو آثار السكان المحليين بشكل كامل عن الخريطة مثلما فعل المحتل الإسرائيلي لإخفاء الفلسطينيين عن الخريطة ومن التاريخ، بوصفهم بشرا غير مرئيين، لا ينتمون إلى المكان الذي جاءوا منه. وهذا ما رتّب عليهم في المنافي مهمة عسيرة، أن يتحولوا إلى "بلاد تتنقل"، بتعبير إلياس صنبر.

مع الوقت، لم يعد هناك حدود بين المخيم والوطن

عاش الفلسطينيون مفارقة قاسية كلاجئين تختلف قضيتهم عن قضايا اللجوء الأخرى، ويتمثل الخلاف، في أن كل النزاعات والصراعات والحروب التي أفرزت قضايا لاجئين، سُمح لهؤلاء بالعودة إلى ديارهم بعد انتهاء الصراع أو الحرب، بينما مُنع اللاجئون الفلسطينيون من العودة إلى ديارهم التي هُجروا منها. لأن الحرب أساساً قامت من أجل اقتلاعهم من أرضهم، بوصف إسرائيل مشروعا اقتلاعيا، لا يهجر الفلسطينيون عن أرضهم من أجل إعادتهم إلى ديارهم بعدها، كما نص قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 لعام 1948 الذي أراد معالجة آثار الحرب في فلسطين وإنصاف اللاجئين، فنص على "وجوب السماح بالعودة، في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم". لم يتم السماح بهذه العودة لا في أقرب وقت ولا بعد عقود، مع أن قرار الأمم المتحدة الذي يعترف بإسرائيل اشترط لهذا الاعتراف تنفيذ القرار 194. ما حصل أنه تم الاعتراف بإسرائيل، وذهب القرار إلى مهملات التاريخ، ما أبقى اللاجئين يتناسلون لاجئين في المخيمات القريبة من وطنهم، ويحوّلون المؤقت إلى ثابت ليجعلوا لحياتهم معنى. وهناك ظاهرة فلسطينية محيّرة، وأحياناً غير مفهومة، وجود مخيمات فلسطينية ولاجئين فلسطينيين على أراضٍ فلسطينية. المخيمات الفلسطينية ليست موجودة في الجوار فحسب، بل هي في الضفة الغربية وقطاع غزة، كيف يستقيم أن يوجد لاجئون في وطنهم؟ المخيمات في الأراضي الفلسطينية هي إعلان وجود تاريخي وحقوقي، ليس إعلاناً بأنهم لا ينتمون إلى المكان الذي يعيشون فيه، بقدر ما هو إعلان أن سكان المكان ينتمون إلى المكان الذي تريد إسرائيل أن تمحو تاريخ وجودهم فيه، فيبقى اللاجئون الدليل الحي والتاريخي على حقهم بأرضهم، فهذا الحق الثابت عنوانه المخيم المقابل لحالة الإلغاء التي ما زالت إسرائيل تعمل عليها.

أصبح للفلسطينيين وطن من طابقين، وطن اليوم وهو المخيم، ووطن الحق والتاريخ وهو فلسطين

لأن اللاجئين يعيشون دليلا حيا على خسارة ديارهم في المؤقت، فإن هذا يحيل مباشرة إلى مكوّن الصراع، ويقوّض الأساس الذي قامت عليه إسرائيل، وهو ما جعل إسرائيل تعمل، طوال الوقت، على قبر مشكلة اللاجئين، بوصفهم دليل الجريمة التي ارتكبتها بحق الفلسطينيين. لذلك تحوّل هذا المؤقت من الثوابت المرتبطة ارتباطاً عضوياً بحق الفلسطيني بوطنه للآباء وللأبناء. مع الوقت، لم يعد هناك حدود بين المخيم والوطن، لأن من هذا المخيم أعاد الفلسطينيون اختراع وطنهم وهويتهم الوطنية، فهم، وإن غادروا ديارهم، حملوا وطنهم معهم وتحوّلوا إلى بدائل حية عنه، بدائل فشل الإسرائيلي في إخفائها، وادّعاء الحق التاريخي في البلاد وإثبات أنها كانت بلادا فارغة بانتظارهم. المخيم بوصفه المكان القادم من طبقات الأرض التي قامت عليها إسرائيل هو إعلان أن من اقتلع من المكان لم يتبدّد، ولم ينسَ كما أرادت السردية الإسرائيلية.

وسم التعقيد التاريخي لتجربة اللجوء بخاصيةٍ لم توجد في تجارب اللجوء الأخرى، لطالما كان اللجوء تجربةً على هامش تجريه كبرى، كالحرب والصراع ببن الدول على سبيل المثال، أي أنه عارضٌ من عوارض المشكلة الأساسية. لكن في تجربة الاحتلال الإسرائيلي، كان إنجاز الاقتلاع هدفاً أساسياً من أهداف الصراع، بوصف إسرائيل مشروعاً اقتلاعياً، منتجا للاجئين كهدف أساسي لتفريغ الأرض من سكانها. وهذا ما وضع عبئا على الفلسطينيين بإعلان وجودهم في المخيمات التي وجدوا أنفسهم مطرودين من ديارهم فيها، وبذلك باتوا إعلانا مقلقا للأساس المكون لإسرائيل، لذلك تسعى إلى التخلّص منها، بالتخلّص من أصحابها.