المأساة السورية مسؤولية أميركية

المأساة السورية مسؤولية أميركية

19 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

تجاوزت المأساة السورية عامها العاشر، لتندرج واحدة من أحلك فصول التاريخ الحديث، على حد وصف ممثل الأمم المتحدة، غير بيدرسون، في إحاطته إلى مجلس الأمن، يوم الاثنين الماضي، وكانت جردةً وافيةً ومثاليةً لما تعرّضت له الثورة السورية من غدر دولي، ولا سيما من الأمم المتحدة والولايات المتحدة وأوروبا. وبعد عشر سنوات على هذا الحدث التاريخي، تجدر العودة إلى البدايات، حينما تولت الأمم المتحدة القضية، وأسندت مهمة المتابعة إلى مبعوثيْن بارزيْن، كوفي أنان والأخضر الإبراهيمي. ونجح الأول في إصدار بيان جنيف في 30 يونيو/ حزيران 2012، والذي نصّ على إقامة هيئة الحكم الانتقالية. ولكن الرجلين اعتذرا عن عدم الاستمرار في المهمة، بسبب تعنت النظام ورفضه كل الحلول، واستمراره في الوسائل العسكرية. وبعد ذلك، فترت همّة الأمم المتحدة، وكلفت ستيفان دي ميستورا، والذي كان مثالا نموذجيا في تسويق الأوهام، والالتفاف على الاستحقاقات، ونجح في إدخال القضية في الدهاليز، ليقدّم خدمة كبيرة لمشروع روسيا وإيران في تحجيم الوجود المسلح للمعارضة.

ولم يكن ليحدُث للثورة السورية ما حصل من تخلٍّ وإدارة ظهر، لو أن الولايات المتحدة كانت أكثر جدّية في التعامل مع الملف، والتزاما بتأييد حق الشعب السوري في الحرية والكرامة. وصار ثابتا أن إدارة الرئيس باراك أوباما هي التي تتحمّل مسؤولية إطالة أمد عذاب الشعب السوري، في وقتٍ كان في وسعها أن تضع حدا للمذبحة في أغسطس/ آب 2013، عندما استخدم النظام الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين العزّل في الغوطة، وقتل أكثر من 1400 شخص، بينهم نسبة كبيرة من النساء والأطفال. وكان بمقدور واشنطن أن توقف بشار الأسد عند ذاك الحد، وتُجبره على قبول تسويةٍ سياسيةٍ على أساس بيان جنيف، من دون حتى أن تستخدم القوة العسكرية، وكان سيخضع في حينها، لأن موسكو لم تكن قد تدخّلت عسكريا لنجدته، ولكن أوباما استخدم القضية السورية في صفقاته مع الروس والإيرانيين، وتخلى عن المسؤولية السياسية والأخلاقية من أجل التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران، والذي اعتبره إنجازه التاريخي الأهم طيلة ولايتيه.

واليوم، تبقى المسؤولية ملقاةً على الولايات المتحدة، لإيجاد مخرج من المأزق الكبير، ولإنقاذ الشعب السوري من حرب الإبادة التي يتعرّض لها. وحدها هي القادرة على إيجاد ديناميكية تنتج حلا سياسيا وتفرضه على روسيا والنظام وإيران. وفي وسعها التعويل على الشعب السوري الذي يحتاج اليوم إلى الخبز والدواء، ولكنه يدرك أن نهاية المعاناة مرهونةٌ بالحل السياسي. ومن أجل الحصول على ذلك لن يرجع إلى الوراء، ويقبل ببشار الأسد في ولايةٍ رئاسيةٍ جديدة يستعد لها في الصيف المقبل.

أهم حدث بعد عشر سنوات على الثورة هو المظاهرات التي خرجت، يوم الاثنين الماضي، في المناطق التي تسيطر عليها فصائل معارضة، خصوصا في مدينة إدلب، التي يقع قسم كبير منها تحت حكم جبهة النصرة. وعلى الرغم من أن هذه الجبهة تعادي الثورة، وحاربتها، وقضت على بعض فصائلها التي كانت تحارب النظام، فإنها تراجعت، في هذه المناسبة، عدة خطوات إلى الوراء، أهمها أنها لم تتمكّن من منع المتظاهرين من رفع راية الثورة أو ترديد شعاراتها. وهناك من يعتبر هذه الالتفاتة فعلا انتهازيا، ومحاولة للتطهر بالثورة، وقد يكون ذلك صحيحا، ولكن العبرة تكمن في أنه بعد عشر سنوات ليست هناك راية أو شعار يعلو فوق راية الثورة وشعاراتها لدى الناس الذين تظاهروا. وهذا التجمع الكبير الذي احتضنته إدلب هو في غالبيته ممن رفضوا التسويات مع النظام والروس، وصمدوا رغم العنف والتهجير وسوء الظروف الحياتية.