القدس والبيانات المثقفة

القدس والبيانات المثقفة

10 مايو 2021
الصورة

(أحلام الفقيه)

+ الخط -

ربما يعتبر التوقيع على بيانٍ يدين التطبيع مع الكيان الصهيوني، أو يدين العنف الذي يمارسه الاحتلال ضد أشقائنا في فلسطين، خطوةً متقدمة على ما تعودناه من إعلام الأنظمة العربية المقتضب في كلمتين أو ثلاث، أصبحت مع مرور الوقت تثير السخرية، بل غدت أشبه باللوازم المحفوظة، حتى قبل أن تُنطق، من قبيل كلمتي "الشجب" و"التنديد".
وتوقيع البيانات، والذي عادة ما يقوم به مثقفون، خطوة أفضل، والسبب أنّها تحتوي على عبارات صريحة وواضحة، وكأنّما تفسر هذا الشجب والتنديد وتشرحهما. تحول الملفوظ من كلمتين إلى نصف صفحة مذيلة بتواقيع الأسماء. لكن، بعد ذلك، يذهب كلٌّ إلى حال سبيله. قام الإعلام الرسمي بواجبه بكلمتين، والمثقفون بنصف صفحة وأحياناً بثلاث. ماذا بعد ذلك؟ لا شيء. كلٌّ من الفريقين أرضى أناه. ندّد المثقفون وشجبوا بطريقتهم، وبذلك هم راضون كلّ الرضا عما فعلوا، وكاتب هذه السطور لا يستثني نفسه. لكن، هل هناك خطوة ثانية من المهم القيام بها؟ هل، مثلاً، جمعنا أموالاً من أجل بناء مدرسة، أو بناء مركز أو مقهى ثقافي؟ هل ساعدنا أهلنا في فلسطين بأضعف الإيمان؟
لا بدّ أنّه في حالة الكوارث، والفلسطينيون في وطنهم يتعرّضون لكوارث يومية، يبيع الناس حتى مجوهراتهم من أجل مساعدة أقاربهم، كي يستطيعوا أن يصمدوا في الحياة، فإن حدث زلزالٌ - لا قدّر الله - في منطقةٍ ما من بلد ما، سترى سكان المناطق المجاورة يسعون إلى المساعدة، حتى تستطيع تلك المنطقة المنكوبة أن تشعر بالمؤازرة، وتعيش تعويضاً نفسياً عما أصابها، ولا تشعر أنّها وحيدة في وجه العاصفة، على الرغم من الخسائر الكبيرة، المادية والمعنوية. لكن أن يأتي، وإن شيء يسير من المحيط، فهذا معناه أن تشعر الضحية أنّها ليست وحيدةً، أمام غدر الطبيعة، فما بالك إذا كان هذا العدو في جبروت الكيان الإسرائيلي الذي ينكّل كل يوم وساعة بالفلسطينيين، ويحرّك كلّ العالم ضدهم، ولا يمرّ يوم أو أسبوع من دون أن نسمع عن سقوط شباب قتلى وجرحى. ونحن لا نستطيع فعلاً سوى الشجب والتنديد، وفي أحسن الأحوال، توقيع البيانات، من دون أن تدفعنا العزيمة إلى التقدّم خطوة أخرى، في تقديم يد العون والمساعدة. وقّع على بيانك، ثم اذهب لتنام مرتاحاً. لا يحتاج الأمر أكثر من "لايك" في "فيسبوك"، أو رسالة عبر "واتساب" من كلمتين، بعدها ستشعر كأنّك قد تحديت قانون الجاذبية، وقمت بأمر معاكسٍ سيُحدث فرقاً كبيراً. في الحقيقة، ليس من فرق بينك وبين ذلك الصامت الخائف إلا القليل. خطوة جميلة، لكنّها ضئيلة جداً، قياساً بالفعل الكبير الذي يقوم به العدو الإسرائيلي ضدّ إخوتنا الفلسطينيين.
يقول مثل "واحد كألف وألف كأف"... ألف كأف هم موقعو البيانات، وواحد كألف هم الفرادى الذين يتبرعون لبيت مال القدس وغيرها من مؤسسات فلسطينية، ومن أبرز هؤلاء المثقفين، وهي التي أعتبرت أيقونة، إذ كانت مواقفها فعلية فيه، الكاتبة المغربية، خناتة بنونة. وقد أخبرني أصدقاء أنّها كثيرة التبرّع لبيت مال القدس، حتى يقال إنّها باعت مقتنيات خاصة لهذا. وأذكر أنّها حين كانت في مسقط، بمناسبة اجتماع الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب في العام 2013، وكانت قد مُنحت في ذلك العام جائزة القدس، أعلنت، في كلمة لها، أنّها ستتبرّع بالجائزة لبيت مال القدس، وأطلقت عبارتها التي سارت مثلاً: "مال القدس يرجع إلى القدس" وهذا ما فعلته حين عادت إلى الرباط، إذ أقامت حفلاً حضره سفيرا فلسطين وعُمان.
وربما تعتبر الكاتبة بنونة مثالاً في هذا السياق، لكن لا بدّ أنّ ثمّة مثقفين آخرين، لا أعلم عنهم، يقومون بالفعل نفسه الذي يتجاوز بيانات التنديد والاستنكار، التي وإن كانت صادقة وانفعالية من كتّاب ومثقفين عرب أصحاب ضمير حيّ، إلا أنّها غير كافية. هي حديثٌ مؤثرٌ مهم، لكنّه يفتقد إلى الفعل، فعنصر المؤازرة لن يكون مكتملاً إن توقف فقط عند خطوة واحدة، هي خطوة الخطاب والبيان والتوقيع، إنّما يحتاج خطواتٍ جماعيةً أكثر نفعاً، كنموذج الكاتبة خناتة بنونة.

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي