الشاعر صاحب العكّاز ونصف المقهى

الشاعر صاحب العكّاز ونصف المقهى

29 ابريل 2021
الصورة

(محمود أبو الوفا)

+ الخط -

كان يشارك في نصف قهوة في شارع عبد الخالق ثروت، في منتصف النصف الأول من القرن العشرين، كي تدفع عنه غلواء الفقر والحاجة، بعدما أدمن الأدب، وصار من طلّابه ومساكينه. وكان شريكه في المقهى "قهوجي بلدي"، وتحمّل ذلك كله مع عكّازه، كي يعيش، على الرغم من أن محمد عبد الوهاب كان قد أخذ منه أغنية "عندما يأتي المساء"، كي يغنّيها، وكان ما يزال يرتدي الجلباب والمعطف، ويستخدم العكّاز والعصا، ولم تره بعد السيدة الفاضلة هدى شعراوي، ولا حتى دخل الأوبرا كي يلقي قصيدة في تنصيب شوقي لإمارة الشعر، إلا أن أمير الشعراء حينما رآه بالعكّاز والجلباب، وهو يهم بدخول قاعة الأوبرا لم يرق له ذلك. تدخل في الأمر عبد الوهاب الذي كان في ريعانه وشهرته، فدخل الشاعر محمود أبو الوفا بالعكّاز والجلباب، وألقى قصيدته وقال فيه شوقي فيما بعد:

سبّاق غايات البيان جرى/ بلا ساق فكيف إذا استرد الساق

وبالفعل، كلّموا هدى شعراوي، فاسترد الساق بأخرى صناعيّة بعملية في باريس، وارتدى أيضاً البدلة الفرنسية. ولكن محمود أبو الوفا، بعد زمن قصير، رمى البدلة، وحتى الساق الصناعيّة، وعاد إلى العكّاز والجلباب، إلا أن حكايته مع وزير الأوقاف، محمد نجيب الغرابلي باشا، تستحق أن تُروى، كي نعرف الفارق الشاسع ما بين الحكومات التي لا تعدم أبداً الظرف الإنساني الجميل، والحكومات الكئيبة التي نعيش في ظلها هذه الأيام الحالكة، بعد ما حلّت علينا سماجة الوزراء والحكومات، وانعدمت خفة الظل في الدواوين. وأنا بنفسي حاولت أن أرى رئيس وزراء مصر "أم الضحك"، ضاحكاً مرة، ولكنني فشلت.

ملخص القصة أن الشاعر الراحل، محمود أبو الوفا، ذهب إلى أحد رؤساء تحرير ذلك الزمان، في نهاية الربع الأول من القرن العشرين، كي يتوسط في طلب وظيفة له في وزارة الأوقاف التي كانت، في تلك الأيام، الواحة الوظيفية الغنّاء لطلّاب الأدب ومساكينه من أصحاب الشهادات الصغيرة والمتوسطة. وكان الغرابلي باشا قد رفض طلب الشاعر محمود أبو الوفا من قبل، فأمره رئيس التحرير، وهما في مقهى بار اللواء، أن ينتحي جانباً، ويكتب قصيدة في هجاء الغرابلي باشا، وسينشرها الليلة في جريدته قبل أن تشرق الشمس. ودسّ في يد محمود أبو الوفا عشرة جنيهات، فبدأ قصيدته بصناعة الغرابيل التي اشتهر بها أهل الغرابلي باشا في قريته. ومشى رئيس التحرير بنسخةٍ من القصيدة إلى وزارة الأوقاف رأساً منتظراً عند السكرتارية، فخرج الغرابلي باشا، ودسّ مبلغ مائة جنيه في معطف رئيس التحرير، آخذاً منه وعداً بعدم نشر القصيدة. وعاد رئيس التحرير إلى مقهى بار اللواء، ووجد أبو الوفا في مكانه في المقهى، منتظراً نشر القصيدة قبل شروق الشمس كما وعد، ولكن رئيس التحرير ضحك مجلجلاً في المقهى، معلناً للشاعر: "إنك أخذت العشرة يا مسكين، وأنا أخذت المائة". ولم تنشر القصيدة بالطبع، فمشى محمود أبو الوفا إلى مقهاه في شارع عبد الخالق ثروت بعكّازه، كي يحاسب شريكه على ما أصاب نصيبه من قروش، وهو يضرب أخماساً في أسداس.

هل دخل ثانيةً مقهى بار اللواء، كي يستمتع بجلسة شاعر القُطرين، حافظ إبراهيم، وقفشاته مع عبد العزيز البشرى، أم اكتفى بمرارة التجربة، وبقروشه القليلة من مكاسب المقهى؟ أمّا حظه، وغالباً تأتي الحظوظ لمساكين الأدب وطلّابه المحتاجين، في ساعاتٍ مضحكةٍ من أعمارهم وأليمة أيضا،ً وكأن الأقدار تلعب معهم، هي الأخرى، لعبتها، فقد حدث أن الرئيس الراحل أنور السادات منحه شقّة في مدينة نصر بتليفونها وجائزة أكاديمية الفنون وقدرها ألف جنيه، وكانت على أيامها مبلغاً مهولاً لفقير أدبٍ في آخر عمره، فأقام في الشقة أياماً معدودات، ومات قبل أن يستلم مبلغ الألف جنيه.