السودان وانسداد الأفق

السودان وانسداد الأفق

11 يناير 2022
+ الخط -

(1)
ثمّة سيارة تسير بلا كوابح في طريقٍ شديد الانحدار، ركّابها في داخلها يصرخون، ومن يجلس في مقعد القيادة عاجز عن الإمساك بعجلة القيادة. بعض شهود ذلك الاندفاع، ينظرون في لامبالاة، وبعضهم الآخر أخذهم الذهول مما رأوا، وقليل منهم من اهتم بتنبيه قائد السيارة محذّراً من أنّ منحدراً على وشك أن تهوي إليه تلك السيارة في اندفاعها المريع. لكن هل تستطيع سيارات شرطة المرور اللحاق بتلك السيارة قبل سقوطها في ذلك المنحدر المخيف، أم سيتركونها آخر الأمر لمصيرها المحتوم؟
ذلك أشبه بحال الأزمة السياسية في السودان، تتفاقم سخونتها بوتيرة عالية، وكأنها في اندفاعها آيلة إلى سقوط وانهيار، أو تشظٍّ، فيما تتصاعد المشاكسات في المشهد السياسي السوداني، بين شباب ثائر في الشارع، يرفع عالياً شعارات الحرية والعدالة والسلام، ولا يثق في جنرالات مُسلّحين يزعمون، وقد انقلبوا على ثورة أولئك الشباب، أنهم الأقدر على قيادة البلاد إلى براحات الحرية والديمقراطية.
يقول التاريخ القريب والبعيد: الاستبداد، منذ الفرعون وهامان وحتى بينوشيه، صناعة عسكرية.
(2)
لا تبالي الأطراف البعيدة بمصائر البلد المنكوب، وكأنه لا يعنيهم سقوطه أو تشظيه أو تلاشيه دفعة واحدة، فيما بعض الأقربين في الإقليم يبدون نوعاً من إشفاقٍ يمازجه شيءٌ من الحرص على مصالح تخصّهم، ربما يتهدّدها اضطرابُ أحوال ذلك البلد، من دون شك، إذا بقي على حاله أمدا وارد أن يطول. أجمِل ضمن هذه الفئة دولاً في الإقليم، بينها الإمارات والسعودية ومصر. الدولتان الأوليان تحتفظان، في إطار مواجهة الحوثيين في اليمن، بقواتٍ سودانيةٍ من "الدعم السريع"، التابعة للجنرال حميدتي، نائب رئيس مجلس السيادة وقائد الانقلاب الجنرال عبد الفتاح البرهان. أما مصر فلها مصالح تاريخية وجغرافية، أحدثها أزمة سد النهضة الإثيوبي، وتعاطف السودان مع موقف مصر من ذاك المشروع يشكل ملفا تراهن الإدارة المصرية على دعم جنرالات السودان لها في مواجهة إثيوبيا صاحبة مشروع السد.

رأى الشباب الثائر الجنرالات يعملون على بناء نظام استبدادي عسكري، لن يكون إلا امتداداً لنظام البشير الذي أسقطته ثورة ديسمبر 2018.

لعل المتابعين يرصدون كيف اتبعت هذه الدول الشقيقة الثلاث أسلوباً طابعه الحذر تجاه أزمة السودان. ثمّة تواصل بين من يمثلون هذه الدول مع القيادات السودانية، خصوصا مع الجنرالات الممسكين بالأمور في الخرطوم، ولكنهُ تواصل مستتر وتشاور خفي، يتمّ، في معظم الأحوال عبر مكالماتٍ هاتفيةٍ لا تعلن، أو بزيارات شبه سرية، يقوم بها بعض الجنرالات السودانيين أو مبعوثوهم إلى عواصمهم، فلا يرصدها الإعلام، ولا قنواته الفضائية، وربما تخرج في تصريحات مقتضبة، لا تعكس كلّ شيء. الملاحظ أن أيا من هذه الدول الثلاث لم ترسل، ولا مرّة واحدة، مبعوثاً عن حكوماتها إلى الخرطوم.
(3)
لعلّ ذلك هو ما يحيلنا إلى ملاحظة اهتمام بعض قوى وأطراف في المجتمع الدولي، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج والاتحاد الأوروبي، ومعظمهم أعضاء دائمون في مجلس الأمن، لإبداء اهتمام وقلق زائدين بضرورة تولّي قيادة مدنية للفترة الانتقالية في البلاد. الجنرالات الممسكون بالسلطة التي أزاحت، بسيناريو خفي وماكر، رئيس وزراء الفترة الانتقالية من المشهد السياسي السوداني. تعاظمت شكوك الشباب الثائر في نيات الجنرالات من الاستفراد بالسلطة، وفي مزاعمهم السعي إلى تأمين الانتقال نحو الديمقراطية، بل رأوا الجنرالات يعملون على بناء نظام استبدادي عسكري، لن يكون إلا امتداداً لنظام الطاغية البشير الذي أسقطته ثورة ديسمبر 2018.
(4)
ظلت تدخّلات أطراف المجتمع الدولي المهتمة بتطوّرات أوضاع السودان، وما بذلتْ من ضغوط حذرة باتجاه اللاعبين في الساحة السودانية، فإنها لمْ ترَ إجمالاً أيّ منطقٍ في الخيارات الصفرية، أي التي تنتهي بانتصار فريقٍ على فريق، وبقاء فريق وفناء آخر. بل ترى جميعها، وممّا صدر عنها من بيانات وتصريحات، تجنبا لخياراتٍ كارثية، أنّ الحوار يظلّ هو السبيل الأوفق بين جميع الأطراف. لقد تابعتْ أطرافُ المجتمع الدولي المهتمة بعضَ الجهود الداخية التي بادرت إليها أطراف سودانية، من قيادات سياسية تقليدية، وأخرى من شخصيات أكاديمية فيهم أساتذة الجامعات، وثالثة ورابعة من مختلف كبار المواطنين السودانيين وكرامهم، لكنها جميعها لم تسفر عمّا يمكن وصفه باختراق حقيقي نحو حلحلة الأزمة المتصاعدة، في مشهدٍ تتسيّده تظاهرات احتجاجية عارمة في العاصمة الخرطوم وفي معظم المدن السودانية. ويواجه بعنفٍ مفرطٍ في أكثر الأحوال، من القوات الأمنية المؤتمرة بأمر الجنرالات. بدا واضحاً انسداد الأفق الداخلي في التوصّل إلى حلول لهذه الأزمة الطاحنة، وذلك ما فتح الباب لاقتراح مبادراتٍ تأتي من الخارج.

من الطبيعي، إذا ما تعذّر الحلّ الداخلي، أن يُنتظر من بعض المنظمات الإقليمية أن يكون لها دورٌ يساعد في الحلحلة

(5)
من الطبيعي، إذا ما تعذّر الحلّ الداخلي، فقد يُنتظر من بعض المنظمات الإقليمية أن يكون لها دورٌ يساعد في الحلحلة. هنالك الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، لكنها إلى العجزأقرب وليس إلى الفعالية، إذ لا تملك إلا لسانا لا يبعد كثيراً عن اللسان الرسمي المصري، فلم يصدُر عنها ما يدعم طرفاً على طرف، أو يدين طرفاً آخر على طرفٍ آخر. أما الاتحاد الأفريقي فقراره التلقائي إثر وقوع الانقلاب، تجميد عضوية السودان فيه سدّ الباب تماماً أمام قبول أيّ مبادرة منه. وعلى الرغم من ذلك، حاول رئيس الاتحاد، وعلى الرغم من تعاطفه الخفي مع الجنرالات ربّما لحاجة تتصل بمستقبله السياسي في بلاده تشاد، آثر أن يرسل مبعوثه السابق إلى السودان، والذي شارك بفعالية في ترتيبات (وصياغة) الوثيقة الدستورية التي وضعت الأطر القانونية لتنفيذ الفترة الانتقالية عام 2019، لكن مبادرته لم تجد، للأسف، ترحيباً من جنرالات الخرطوم.
(6)
أمام انسداد الأفق الداخلي، بدأ الأعضاء الفاعلون في المجتمع الدولي في التحرّك الفعال، بطرح مبادرة تدعو إلى فتح حوارٍ شامل بين جميع الفاعلين في الساحة السودانية، وبإشراف من الأمانة العامة للأمم المتحدة. قد تكون تلك محاولة أخيرة لإعادة العقل والمنطق إلى الساحة السودانية، والتي قد تجنّب واحدةً من أوائل الدول الأفريقية التي نالت استقلالها عام 1956 مزيدا من التشظي والتفكّك، بما شهدتْ من حروبٍ أهلية وصراعات واضطرابات دامية. فقد السودان ثلث أراضيه ونحو ربع سكانه، بعد انفصال جنوبه وبروز جنوب السودان دولة كاملة المعالم. أما إقليم دارفور، الجرح الدامي غربي السودان، فكأنه يتأهّب للمضي، إزاء الإضطرابات الماثلة، نحو انفصال جديد. من المآسي الأفريقية أن تشهد القارة الأفريقية تشظيا مُحتملا لدولة كانت من بين أكبر دوله مساحة وأكثرها سكانا، بل وأغناها موارد وثروات طبيعية. لن يقع ذلك التشظّي بأيد استعمارية كما قد يُظن، ولا عبر مؤامرات تفتعلها أيادٍ أجنبية، بل، ويا للأسف، يتم ذلك بأيدي بنيه.
كلمة أخيرة، أو هو حلم أخير: أن تكون المبادرة الخارجية التي سترعاها الأمم المتحدة خالصة النيات وصادقة الغرض.