الدرس الأفغاني .. أبعد من التحليل الاستعماري

الدرس الأفغاني .. أبعد من التحليل الاستعماري

29 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

اعتماد التحليل الاستعماري في قراءة الوضع الأفغاني القائم اليوم يجعل هذا الواقع ممتنعا على الفهم. لذلك، يجب تجاوزه، والنظر إلى السلوك الأميركي في أفغانستان وغيرها من البلدان، بوصفه سلوكاً ما بعد استعماري. وهذه النظرة تجعلنا نتجاوز تحليل هذا الوضع بمعيار النصر والهزيمة التي تغطّي على المشهد الأهم في السلوك الأميركي، القائم على التخلي، في التعامل مع القضايا المطروحة على العالم وعليها دولة كبرى وقاطرة العالم وأكبر المتحكمين فيه.
لم تهزم حركة طالبان الولايات المتحدة في أفغانستان، ولم يكن هذا سبب خروج الولايات المتحدة من أفغانستان، وتشبيه ما جرى في أفغانستان أخيرا بالخروج الأميركي من فيتنام في أواسط السبعينيات خادع. مفتاح ما جرى تصريح الرئيس الأميركي، جو بايدن، أن مهمة الولايات المتحدة في أفغانستان "لم تكن أبدًا بناء الدولة" و"لم نسع إلى خلق ديمقراطية مركزية في أفغانستان، بل مواجهة الإرهاب"... يفسّر هذا الوضوح في تصريح الرئيس السياسة الأميركية في أفغانستان بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001، حتى أنه يفسّر، إلى حد كبير، السلوك الأميركي في أفغانستان منذ دخول الجيش السوفييتي إليها في نهاية 1979، فقد وجدت فيه الولايات المتحدة الفرصة المواتية في تلقين السوفييت درسًا، يشبه الدرس الذي تعرّضت له الولايات المتحدة قبلها بسنوات في فيتنام. وقد عُرفت الحرب الروسية في أفغانستان في وسائل الإعلام الغربيّة باسم "حرب فيتنام السوفييتية" أو "مصيدة الدب". كان للولايات المتحدة هدف وحيد، في ظل الحرب الباردة بين القطبين في ذلك الوقت، هزيمة الجيش السوفييتي هناك، ولم تكن طبيعة الأداة مهمة، لأن أفغانستان هي موقع للصراع فقط، ولا أهمية لها من دون وجود السوفييت وإذلالهم. ولم تتورّع الولايات المتحدة على إطلاق صفة "مقاتلي الحرية" على الإسلاميين الذين يُرسلون إلى أفغانستان من كل العالم، مع أن كثيرين منهم كانوا أبناء تنظيمات إرهابية في البلدان التي جاؤوا منها، وتسهل لهم الطرق إلى هناك، وتزودهم بالأسلحة، لمقاتلة عدوهم/ عدوها الاتحاد السوفييتي، ولم تكن لديها مشكلة في توظيف الدين، وتصوير المعركة معركة بين الكفر والإيمان. انهزم الجيش السوفييتي في أفغانستان 1989 وخرج منها، وانهار الاتحاد السوفييتي وانهار معه عالم القطبين، وتربّعت الولايات المتحدة وحيدة على عرش العالم.

في الوقت الذي نسيت الولايات المتحدة أفغانستان في انشغالها بترتيب العالم، كان البلد يرتب نفسه، فولدت حركة طالبان في 1994 لتصبح أكبر مليشيا

لم تكن للولايات المتحدة التي حدّدت العالم كله مجالاً لمصالحها الحيوية، أيّ مصالح في أفغانستان بعد هزيمة الجيش السوفييتي فيها. لذلك، تركت البلد للمجموعات المسلحة التي قاتلت السوفييت، لتتقاتل في ما بينها من أجل السلطة. ووجد المقاتلون العرب الذين قاتلوا في أفغانستان أنفسهم منبوذين من بلدانهم، وبعدما كانوا "مقاتلي حرية" عادوا إلى توصيفهم إرهابيين من بلدانهم، التي رفض بعضها استقبالهم، وولدت حينها ما عرف بمشكلة "العائدين من أفغانستان". لم يختفِ هؤلاء كما أرادت الولايات المتحدة التي انشغلت بترتيب عالم ما بعد عالم القطبين، وكان الانطلاق من حرب "تحرير الكويت" 1991 التي كرست الولايات المتحدة قطبًا وحيدًا في العالم.
في الوقت الذي نسيت الولايات المتحدة أفغانستان في انشغالها بترتيب العالم، كان البلد يرتب نفسه، فولدت حركة طالبان في 1994 لتصبح أكبر مليشيا، ولتسيطر على أغلب الأماكن في أفغانستان، وتصبح الحاكم هناك، راعية المجاهدين الذين قاتلوا معها، موفرة لهم ملجأ آمنًا هناك، خصوصا تنظيم القاعدة، ممن سيوجّهون ضربة قوية للولايات المتحدة في 11 سبتمبر/ أيلول 2001. وهو الحدث الكبير الذي حددت الولايات المتحدة بعده كل العالم مجالا لأمنها القومي. وانعكس ذلك في السلوك الأميركي الانتقامي، لتلك الأحداث الرهيبة التي اعتبرتها الولايات المتحدة أكبر اختراق أمني على أراضيها المنيعة في تاريخها. وقامت بدور البلطجي في العالم، بتحطيم بلدين، أفغانستان والعراق، وخطف الذين اعتبرتهم متورّطين في الحدث. افتتحت سجنًا في غوانتامامو خارج أراضيها، وأخذت الطائرات بلا طيار تستهدف هذا الشخص في اليمن وذاك الشخص في أفغانستان وذلك في باكستان. عملياً، حطّم هذا السلوك كلا البلدين، ولم يكن هناك مشروع للولايات المتحدة في البلدين. ولذلك جمع الأميركيون كل اللصوص الأفغان والعراقيين من العالم، وأعادوهم إلى بلدانهم التي احتلوها، وأنتجوا سلطاتٍ فاسدة ملحقة بشكل ذليل بالمحتل. هكذا أرادت الولايات المتحدة السلطات الجديدة في البلدين سلطات فاشلة تنتج بلدانا فاشلة.

أرادت الولايات المتحدة هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ولم يكن مهمًا أن يكون هؤلاء المحاربون يحملون أكثر الأفكار ظلاميةُ في العالم الإسلامي

أرادت الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق بناء جيشٍ ومؤسسةٍ أمنية، من دون النظر إلى المجتمع في هذين البلدين، وليس مفهومًا من أين جاء الأميركيون بفكرة إمكانية بناء جيش ومؤسسة أمنية في مجتمع محطّم. وكأن هذه المؤسسة تحديدًا تأتي من الفراغ، ومن المال بعيدا عن المجتمع الذي ستحكمه. لم تسعَ الولايات المتحدة إلى بناء نموذج، كما كان حالها في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لما قدّمت "مشروع مارشال" لإعادة إعمار أوروبا. وإذا كان واحد من أسباب هذا المشروع الحفاظ على مركزية الغرب ومحورته حول الولايات المتحدة، ولذلك يمكن أن لا يكون صالحا لدول الجنوب من وجهة نظر الولايات المتحدة، إلا أنها أيضًا، لم يكن لها مشروع بناء نموذج على خطى كوريا الجنوبية، المشروع الذي دعمته الولايات المتحدة لإنتاج نموذج ناجح بعد الحرب الكورية، والذي أنتج نموذجًا مبهرا للنجاح، في مقابل النموذج المبهر للفشل في كوريا الشمالية.
كانت محاربة الإرهاب معركة عسكرية من وجهة نظر الولايات المتحدة، ولم تكن معركة نموذج. ولأنها كذلك، كانت معركة هدم لا معركة بناء، ونجحت في تحطيم بلدان، من دون أن تنجح في هزيمة الإرهاب الذي كان يتمركز في أفغانستان عندما بدأت الولايات المتحدة معركتها ضده، واليوم موجودٌ في ثلاث قارات على الأقل.
أرادت الولايات المتحدة هزيمة الاتحاد السوفييتي في أفغانستان، ولم يكن مهمًا أن يكون هؤلاء المحاربون يحملون أكثر الأفكار ظلاميةُ في العالم الإسلامي، فكان أن هزمت هذه الظلامية الاتحاد السوفييتي بدعم من أميركا، لكنها، في الوقت ذاته، هزمت مستقبل بلدانها، وهذا عمليًا ما تكرّر اليوم في أفغانستان، فالظلامية هزمت مستقبل البلد، ولم تهزم الولايات المتحدة، التي عمليًا خانت السلطات التي بنتها ورعتها، والتي لا يمكن أن تستمر من دونها. ولم يكن من الغريب أن يخيف ما جرى في أفغانستان حلفاء الولايات المتحدة، في كل من تايوان وكوريا الجنونية، ما دفع الرئيس بايدن إلى تهدئة هذه المخاوف بالقول: "الحلفاء مثل كوريا الجنوبية وتايوان يختلفون اختلافًا جوهريًا عن أفغانستان عندما يتعلق الأمر بالالتزام الأمني للولايات المتحدة". لكنّ هذا لا يمنع الاستنتاج أنّ هناك خيانة أميركية قادمة لحليف أميركي، أقل أهمية من تايوان وكوريا الجنوبية.