"الحُرقة" والفساد عندما يهدّدان الجزائر

26 نوفمبر 2020
الصورة

فتى جزائري وعلم بلاده في احتفال حاشد في العاصمة بذكرى الاستقلال (5/7/2007/فرانس برس)

+ الخط -

ترتفع أعداد الجزائريين المغادرين إلى شواطئ الضّفة الشّمالية من المتوسّط، في علامة فارقة على فقدان الأمل من تحسّن الأحوال في بلدهم، وهو ما يضيّع عليه طاقاتٍ لا يمكن حصرها من الإبداع وعنفوان فترة العمل والنّشاط الأجدى للاقتصاد. ولكن ما يطرح إشكالية حقيقيّة، هو الارتباط بين ظاهرة الحرقة (الهجرة غير الشّرعية، بلغة المغاربيين) وأخرى أخطر، الفساد (رشوة ونهب إضافة إلى صفقات مشبوهة)، إثباتاً للتّهديد الذي يشكّله تضافر الفساد والحرقة على مستقبل الجزائر والتّغيير المأمول فيها.
لا يمرّ يوم من دون أن نسمع عن عشرات الجزائريين يقضون موتاً في محاولتهم المرور إلى الضفّة الأخرى من المتوسّط، حيث يأملون حياة أفضل. وما يحزّ في النّفس، حقّاً، أعمار أولئك المهاجرين إلى الموت، وهم في العشرينيات، أي أفضل سنوات الإنسان من حيث عنفوان النّشاط، الإبداع والقدرة على نحت الصّخر، وليس فقط تتبّع فرص الحياة في كل النشاطات والقطاعات، بصفة عامّة.

لا يمرّ يوم من دون أن نسمع عن عشرات الجزائريين يقضون موتاً في محاولتهم المرور إلى الضفّة الأخرى من المتوسّط

لا يحسُن أن تجري المقاربة التي تحاكم الفساد بقرائن القانون وحدها، بل أيضاً من خلال الفرص التي تكون الجزائر قد ضيعتها لو توافر الاستخدام الأمثل والأجدى لما نُهب وسُرق من خيرات الجزائر. ولهذا تنظر هذه المقالة في ما تضيّعه الجزائر عند تضافر ظاهرتي الفساد والحرقة، وما يمكن أن تشكّله من تهديداتٍ كبيرة لا يمكن سبر أغوارها، في الحال، وإنما يمكن تصوّر تداعياتها في مستقبل الأيّام والأعوام.
بداية، تفيد كل الإحصائيات بأنّ ثلثي الجزائريين ممّن أعمارهم بين العشرين والأربعين عاماً، في بلد بمساحة قارّة، وبخيرات لو كتبنا عنها لما كفتنا مجلّدات، ولو عملنا على استخدامها، بمقاربة مثلى، لأصبحت الجزائر قوّة ناشئة، وهو ما يوجد الغرابة التي يعبّر عنها، دوماً، من الجميع، كيف لبلد له تلك الخيرات يسعى شبابه إلى الهجرة في قوارب الموت، وفي الوقت ذاته، يعمل بعضهم على نهب خيراته تلك، أو تركها من دون الاستغلال الأمثل، لنصل إلى نتيجة لخّصها الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول، في مقولة "لم تتحرّك الجزائر، قيد أنملة، من 1963 إلى 2010"، أي إنها لم تنجز شيئاً مما يمكن اعتباره تحويل تلك الخيرات البشرية والمادية إلى قاعدة تجعل من الجزائر قوة إقليمية، حقيقةً لا مجازاً.

لخّص الخبير الاقتصادي عبد الرحمن مبتول، في مقولة "لم تتحرّك الجزائر، قيد أنملة، من 1963 إلى 2010" سيرة هدر الخيرات المادية والبشرية في الجزائر

كانت الجزائر، تاريخياً، في عهد الرّومان وفي العهد الاستيطاني الفرنسي، سلّة غذاء للبلاد وللمتوسّط الشّمالي، برمّته، بشهادة مؤرّخين معروفين. وهناك وثائق مصوّرة، من العهد الاستيطاني القريب، تبرز كيف كانت البواخر تحمّل من موانئ البلاد، إلى فرنسا وإلى العالم، خيرات غذائية أنتجتها سواعد الجزائريين. ويُعدُّ هذا إثباتاً أكيداً على أنّ الانكشاف الغذائي الحالي هو سوء استغلال للسّواعد وللأراضي، ليس إلّا، على الرغم من توافر الموارد من جراء الرّيع النّفطي والغازي التي كان يمكنها أن تُشكّل قاعدة تمويل التّنمية وتحويل البلاد إلى مصدّر لموارد غذائية، صناعية غذائية، ولغيرها من الخيرات.
بالنّتيجة، نحن أمام استغلال سيّئ للموارد البشرية والمادّية، وتركها ضامرة، يكرّس الانكشاف، ويدفع إلى اللّجوء للاستيراد، وهو الباب الذي ولج منه الفساد، ذلك أنّ الإبقاء على البلاد مستوردة لكلّ شيء وبتوافر موارد الرّيع، فانّ ذلك مناط فتح الباب، واسعاً، لصفقات مشبوهة ضيّعت الجزائر، من جرّائها، زهاء 1,500 مليار، وهو مبلغ ضخم جدّاً، ربما سيق للمبالغة، ولكنّه قريب من الحقيقة المرّة التي نحاول الوصول إليها، أي مقدار الفُرص التنموية التي ضاعت على البلاد، وأوصلت شباب الجزائر إلى اليأس الذي جُسِّد في ملحمة الموت في قوارب الهجرة غير الشّرعية.

كانت الجزائر، تاريخياً، في عهد الرّومان وفي العهد الاستيطاني الفرنسي، سلّة غذاء للبلاد وللمتوسّط الشّمالي، برمّته، بشهادة مؤرّخين معروفين

أشار الكاتب، في مقالة سابقة في "العربي الجديد"، إلى طريق ثلاثي، كان في وسعه المزاوجة بين عنفوان الشباب وخيرات البلاد: الزراعة الصحراوية، بصفة خاصة، تكنولوجيا الطاقة البديلة، والعالم الافتراضي بتطبيقاته وبذكائه الصناعي. وكان في وسع هذا الطريق أن يشكل، بالأموال التي نهبت وأهدرت، أساساً قاعدياً لمشروع لا يكفي لتجسيده شباب الجزائر، بل كان شكل فرصة لشباب المغرب الكبير، بل وللشباب العربي، إذ إنّ استغلال ما قوامه مائة مليون هكتار من الأراضي، ممّا هو موجود الآن، وما يمكن استصلاحه بالتكنولوجيا الموجودة والمستقبلية، لن يكفيه تشغيل الشباب الجزائري، فقط، بل سيحتاج إلى سواعد عشرات الملايين من الشّباب، وسيدرّ، على أقل تقدير، من الطاقة البديلة، المنتجات الزراعية والتكنولوجيا، ما يفوق صادرات الجزائر من الغاز والنفط، حالياً، بمئات المرات، وهذا ليس ضرباً من الخيال، بل حقيقي بالأرقام والدراسات العلمية المؤكّدة.
تحدث خبراء في مؤتمر الذّكاء الصّناعي، العام الماضي في الأردن، عن أرقام هذا القطاع التكنولوجي الدّقيق، في حدود العشرية المقبلة (2030)، إنّها ستصل إلى ما يربو على 1,500 مليار دولار، أي ما يفوق الصناعة الطاقوية العالمية، الآن. ويرى الجميع حجم الأرقام الفلكية التي وصلت إليها شركات الإبداع الافتراضي، كما يرى سلطة الخوارزميات، كيف تكبر، يوماً بعد يوم، وهو مناط ذلك الطريق الذي ذكرنا جانباً منه. وكان، بالإمكان، أن يستوعب آمال الشباب، ويشكّل سبيل الاستغلال الأمثل والأجدى لأموال الرّيع النّفطي. بل الجميع يرى، الآن، إبداع الشباب الجزائري، عندما تُعطى له الفرصة، كيف يستغلّ تلك الفضاءات من الإبداع الرّقمي والعالم الافتراضي، لإيجاد مكانة تحت الشّمس للبلاد، لو لم تُضيَّع الفرصة بالفساد.

الطاقة البديلة، والمنتجات الزراعية والتكنولوجيا، في ما لو استُغلت، تفوق قيمتها صادرات الجزائر من الغاز والنفط، حالياً، بمئات المرات

طبعاً، ليس المراد سوداوية من خلال العرض السابق، بل الإشارة، فقط، إلى ما ضُيِّع من فرص، وهي لم تضع إلى الأبد، بل يمكن اللحاق بما يمكن اللحاق به باستغلال مغاير، شرط أن يسبق ذلك حاضنة للإبداع وأمل للمستقبل، قد تكون نقطة انطلاقه مراجعة موقف الجزائر من مشروع الحلم المستقبلي لإنتاج الطاقة البديلة النظيفة، في الصحراء الجزائرية، المعروف بــ"ديزرتك" بشراكة مع التكنولوجيا الألمانية. كان هذا المشروع، المقترح من ألمانيا، فرصة لا يمكن تضييعها، باعتبار أن الطاقة البديلة هي مناط الاستغلال الأمثل لخيرات الصّحراء الجزائرية، لأنها ستصبح، لو نُفِّذ المشروع، مكاناً لتجسيد الطريق الثّلاثي المشار إليه. بل كان بإمكانه أن يشكل قاعدة لتحويل التكنولوجيا وخزّاناً لإبداع الشباب، وآمالاً لهم لتحقيق ذواتهم، بعيداً عن يأس البطالة والحياة دون أفُق التي رموا، بسببها، أنفسهم في عرض البحر في قوارب الموت، نحو مستقبلٍ لا يعلمون، حتى لو وصلوا إليه، كيف سيكون، بالنسبة إليهم، بسبب العنصرية وكراهية الآخر التي تنتشر في الغرب.
بالأرقام، فقط، كان بإمكان مشروع "ديزرتك"، طبعاً بمفاوضات سيادية وبموقف حازم يحفظ حقوق البلاد، مستقبلاً، أن يدرّ على الجزائر زهاء 80 مليار دولار، إضافة إلى ما كان، بالإمكان، الحصول عليه من فرص لتغيير صورة الصحراء القاحلة إلى مشاريع للزراعة، للإبداع ولتكنولوجيا الطاقة البديلة باستغلال المشروع وتداعياته، إضافة إلى تشغيل لملايين من الشّباب.
قد يكون إيجاد وزارة لهذا القطاع، أي العالم الرقمي وحاضنة لمشاريعه، كما قد يكون إيجاد وزارة للزّراعة الصّحراوية، في التّغيير الحكومي أخيراً، سياقين تصحيحيين لهذا الحُلُم. ولكنْ ثمة حاجةٌ، معه، إلى سياقات آملة أخرى، تحُول دون استمرار التعثّر والانكشاف، بمقاربة الفساد. وتستغلّ، مثالياً، طاقات الشّباب، وصولاً إلى تجسيد عالم الإبداع الذي ننتظره، بدلاً من مشاهدة أمواج البحر، وهي تلفظ أجساداً، بدون حركة، لطاقاتٍ لا متناهية العنفوان، النّشاط والأمل، فهل من مُصغٍ.